تستعد مدينة نيويورك لاستضافة قمة أميركية عربية إسلامية يوم الثلاثاء برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى لعرض رؤيته لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
تأتي القمة في ظل موجة من الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية من دول عدة، وتوجد جهود سعودية فرنسية لدفع السلام وفق حل الدولتين، وهو خيار لا تلتزم واشنطن به بالضرورة.
وفي هذا السياق تثار أسئلة حول طبيعة الرؤية التي سيقدمها ترامب وما إذا ستلقى صدى لدى الدول العربية والإسلامية.
ترامب والشرق الأوسط
توضح رؤية فادي حيلاني أن سياسة ترامب تحمل جانباً دعائياً واضحاً، فهو يسعى دائماً لإظهار نفسه قوياً وقادراً على إحداث اختراق سياسي في المنطقة، وغالباً ما يستخدم الإعلام ووسائل التواصل لتسويق إنجازاته.
يشير إلى أن الرئيس الأميركي يسعى لأن يكون “رجل السلام” في المنطقة، ويرغب في إدراج اسمه ضمن الحاصلين على جائزة نوبل للسلام، وهو توجه يعكس طموحاً شخصياً لتأكيد مكانته كسياسي بارز على المستوى العالمي.
ويؤكد أن ترامب يسعى لإيقاف الحرب ووقف الصراعات العنيفة، مع تركيز على إسرائيل وفلسطين، لكنه يفعل ذلك وفق رؤية “السلام بالقوة” التي قد تتعارض مع مصالح الشركاء العرب.
يُوضح أن “السلام الذي يريده” ليس بالضرورة ما يريده الشركاء العرب، فالمفهوم الأميركي للسلام يعتمد على فرض السيطرة على غزة، والقضاء على حماس، وإيقاف إطلاق النار، مع تجاهل اعتبارات سياسية عميقة تتعلق بالدولة الفلسطينية ومصالح الشعب الفلسطيني.
ويشير إلى أن إدارة ترامب تعتبر أن مقومات دولة فلسطينية غير متوفرة في الوقت الراهن، وأن أي محاولة لإقامة دولة قد تُفهم كتمثيل لحركة حماس، وهو ما يعكس تركيزاً على السلام الجزئي والتسوية المحدودة بدلاً من حل سياسي شامل.
كما يستعرض التحديات التي تواجه عرض الرؤية أمام القمة، حيث أن رسائل التطمين إلى الحلفاء العرب قد لا تكون كافية لإقناعهم بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، خصوصاً مع رفض السعودية الدخول في تطبيع قبل حل الدولتين.
ويوضح أن أي إعلان عن توسيع الاتفاقات الإبراهيمية سيتأثر بمواقف الشركاء الذين يمتلكون مصالح مستقلة، مثل تركيا ومصر، مما يجعل فرض رؤية أحادية أمراً صعباً.
ويضيف أن الوضع الإنساني في غزة بعد أحداث 7 أكتوبر أصبح نقطة ضغط على الرأي العام، وهو ما يزيد من التحديات التي تواجه فرض حلول دون مراعاة المطالب الفلسطينية والإنسانية.
مقارنة تحليلية بين التحليلين
من جهة أخرى قدم بشير عبد الفتاح قراءة مشابهة حول شخصية ترامب، موضحاً أنها تميل إلى الأضواء والتأثير والرغبة في أن يكون في قلب الحدث، مع خلفيته كرجل أعمال ورجل صفقات.
ويؤكد أن هذه الشخصية تؤثر في رؤيته للسلام التي ترتكز على ثلاثة اعتبارات رئيسية: الطموح لنيل جائزة نوبل للسلام، السلام من خلال القوة، والسلام الاقتصادي، مع اعتبار أن السلام الاقتصادي قد لا يستدام دون تسوية سياسية عادلة.
ويضيف أن “سلام ترامب” هو سلام التطبيع، حيث يتركز على توسيع التعاون الاقتصادي والتطبيع بين إسرائيل والدول العربية مع تجاهل الخلافات السياسية والقانونية واستبعاد الفلسطينيين من عملية السلام.
وتقارن وجهتا نظر الباحثين، فثمة نقاط تقاطع حول اعتماد ترامب على القوة والدعاية وعدم توافقه مع مصالح الشركاء العرب، مع اتفاق على التركيز على التطبيع الاقتصادي ومبادرات التطبيع الإبراهيمي، وتباينات حول مستوى التركيز على الرسائل والتوازن السياسي.
التحديات الإقليمية أمام القمة
تشير النتائج إلى أن هناك تحديات أمام ترامب في القمة، منها تراجع الثقة العربية بالولايات المتحدة ووجود رغبة لدى بعض الدول في بناء شراكات موازية تؤمن مصالحها بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن، وهو ما يعوق قدرة ترامب على فرض حلول أحادية.
كما ترى التحليلات أن الإدارة الأميركية لا تعتبر السلطة الفلسطينية شريكاً فعالاً وتتعامل مع الدول العربية لكنها لا تقدم حلول جذرية للقضية الفلسطينية، ما يقلل فاعلية أي اتفاق قد يُبرم.
الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية
يرى أن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية عامل ضغط متزايد على إسرائيل وترامب، إذ قد تقرر إسرائيل خطوة مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية أو توسيع الاستيطان كرد فعل، كما أن الاعترافات تعكس قدرة الدول العربية على استخدام نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي، خصوصاً فيما يتعلق بأمن الطاقة والممرات الاستراتيجية كقناة السويس وباب المندب.
سيناريوهات القمة
يؤكد عبد الفتاح أن القمة ستركز على ثلاث محاور: تقديم تطمينات للدول العربية بأن إسرائيل لن تمثل تهديداً عسكرياً، مع تأكيد التزام الولايات المتحدة بحماية مصالحها الاستراتيجية؛ إبراز ترامب كوسيط سلام إعلاني من خلال الترويج لمفهومي “السلام من خلال القوة” و”السلام الاقتصادي”؛ محاولة توسيع التطبيع الإبراهيمي لتشمل دولاً عربية جديدة، رغم استمرار رفض بعض الدول مثل السعودية الانضمام قبل حل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
ويضيف أن أي مسعى لتسويق “سلام ترامبي” سيواجه تحديات، في وقت يبحث فيه العرب عن شراكات موازية تضمن مصالحها بعيداً عن الضغوط الخارجية.
المخاطر الاستراتيجية
تحدث حيلاني عن سيناريوهات محتملة بعد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، إذ قد ترد إسرائيل بضم أجزاء من الضفة أو توسيع الاستيطان كرد فعل. كما قد تقود حدة الرغبة الإسرائيلية إلى قيود من مصر، التي تعتبر القوة الرئيسية للحد من طموحات إسرائيل. كما يشير إلى احتمال نشوب حرب بين مصر وإسرائيل قد يشمل تدخلات عربية ودولية، ما يغير المشهد الجيوسياسي ويدفع روسيا والصين إلى أدوار أقوى كقطبين عالميين صاعدين.
يختتم بأن القمة ليست مجرد لقاء بل اختبار لقدرة الإدارة الأميركية على إعادة تشكيل صورتها ومصداقيتها أمام الشركاء العرب، فيما يسعى ترامب لإظهار نفسه كـ”رجل السلام” من خلال مكاسب دعائية وتوجهات اقتصادية وتوسيع التطبيع، مع غياب تسوية سياسية شاملة.
وبين طموحات ترامب والواقع العربي ومصالح الدول والشركاء، يبدو الطريق نحو سلام مستدام في الشرق الأوسط مليئاً بالتحديات، وتبقى القمة منصة لإرسال رسائل سياسية أكثر من كونها طريقاً لحلول ملموسة، فيما تظل القضية الفلسطينية محور اختبار لقدرة المجتمع الدولي على التوازن بين القوة والشرعية والإرادة السياسية والإعلام والواقع.







