رمزية اللقاء وتداعياته
عقدت جلسة في نيويورك جمعت أحمد الشرع وديفيد بيترايوس على هامش قمة كونكورديا حول الأمن والديمقراطية، فحملت أكثر من دلالة.
تجسد المشهد الرمزي تقاطع السجين والسجان: السجين السابق يجلس في موقع الرئاسة بينما السجان السابق يخاطبه باحترام “سيادة الرئيس”، وهو تركيز يحيل إلى تحولات في معايير الشرعية والقبول السياسي.
قال الشرع إن اللقاء يحمل لحظة تاريخية حين قال: “التقينا في ميدان الحرب والآن نلتقي في ميدان الحوار”، وهو تعبير عن مسار يتفاعل بين الماضي القاسي والحاضر التفاوضي.
كان بيترايوس يوماً من أبرز القادة العسكريين الأميركيين الذين قاتلوا في العراق، ورصدوا أموالاً مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه، لكن المنصة في نيويورك قلبت المشهد إلى محاور وشريك سياسي.
أشار المحلل السياسي موفق حرب إلى أن هذه المقاربة تمثل “سخرية القدر ولعبة التاريخ”، حيث يتبادل الطرفان المواقع، لكنها لا تعكس بالضرورة تقدماً حقيقياً في قيم الممارسة الديمقراطية الأميركية بل تعكس ازدواجية المصالح.
ساهم الحلفاء الإقليميون في دفع هذا الانفتاح، لا سيما السعودية وتركيا، حيث لعبا دوراً بارزاً في ترتيب التواصل بين الشرع والجهات الأميركية وفتح قنوات حوار جديدة.
تبقى العقوبات الأميركية، وعلى رأسها قانون قيصر، ورقة ضغط قائمة، إذ يمكن تخفيفها تدريجيًا مقابل خطوات محدودة من دمشق مع الحفاظ على جزء منها كأداة ضغط واستمرار التهديد السياسي.
يظل موقف إسرائيل غير متحمس، وتواجه دمشق ضغوط من عمليات عسكرية إسرائيلية شبه يومية، ما يفرض توازناً بين الاعتراف السياسي والحساب الأمني الحدودي.
يبرز التناقض الأميركي بين الشعارات والقيم والممارسة حين تقرر واشنطن التعاطي مع الشرع وفق منطق المصالح المباشرة وليس وفق مبادئ الديمقراطية والحقوق، وفق رؤية بعض المحللين.
أشار بعض المحللين إلى وجود اعتبارات سرية قد دفعت واشنطن إلى إعادة تأهيل الشرع، بينها خبرته في الجماعات المتطرفة وعلاقاته السابقة، ما يجعل القرار أقرب إلى حسابات أمنية من كيانات سياسية.
تُظهر التجربة الأميركية أن السياسة تقيس مدى نجاحها بالحفاظ على أوراق الضغط وتقديم التنازلات تدريجيًا، وليس بإلغاء العقوبات دفعة واحدة، وهو نمط يتكرر في حالات من إيران إلى سوريا.
يواجه الشرع تحديات تمثيلية وأمنية عديدة، أبرزها وجود عسكري روسي مستمر وملف الأقليات والتوازنات الإسرائيلية والقرار الكونغرامي الأميركي، ما يجعل الشرعية الجديدة في دمشق مرحلة انتقالية أكثر منها إنهاءً للصراع.
بدأ المسار من الحرب إلى الحوار، لكن الطريق الطويل مستمر: لا تعني الجلسة الأخيرة نهاية الصراع ولا تبرئ الشرع من جميع الالتزامات، وإنما تفتح باباً لتقييم المصداقية والالتزامات السرية علناً.
تؤكد اللحظة في نيويورك أن التحول الأميركي قد يفتح نافذة لكن لا يلغي أن السياسة تقرأ على أنها مزيج من الضغوط والمناورات والالتزامات، وتبقى العقوبات والملف الإسرائيلي مفتوحين أمام التطورات.







