تشهد لبنان تصعيداً متصاعداً تتقاطع فيه التصريحات الأميركية والإسرائيلية مع ردود الفعل الداخلية المتباينة، ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديمًا: هل يسير لبنان نحو مواجهة عسكرية جديدة، بغطاء أميركي هذه المرة، قد تكون أشد خطورة من كل ما سبق؟
الموقف الأميركي والإسرائيلي: من الوساطة إلى التحريض
يبرز أن المبعوث الأميركي إلى بيروت توم باراك اختار توجيه خطاب صريح يعكس توجه الإدارة الأميركية الراهنة بقيادة ترامب، عندما قال إن الجيش اللبناني غير مجهز لنزع سلاح حزب الله لكنه شدد على ضرورة هذه المهمة، ودعا إلى قطع رأس الأفعى في إشارة إلى إيران ودعمها للحزب. لم يترك الكلام مجالاً للتأويل، بل أشار إلى تدخل مباشر من الجيش اللبناني، وهو ما يعني دفع المؤسسة العسكرية إلى مواجهة داخلية غير معروف نتائجها.
يتزامن ذلك مع تصعيد إسرائيلي مستمر، فإسرائيل ترى أن أي تسوية في لبنان لا تكتمل دون تفكيك قدرات حزب الله، وتعتبر أن الوقت مناسب لفرض وقائع جديدة مع انشغال العالم بالحرب في غزة وسوريا. لذا قد يُفهم الدعم الأميركي العلني كتمهيد سياسي لأي عملية عسكرية إسرائيلية محتملة على الأراضي اللبنانية.
التهديد بمواجهة “شرسة” ضد حزب الله ليس جديداً، لكن الجديد ربطه علناً بالجيش اللبناني، وهو ما يطرح إشكالية: إذا كان الجيش عاجزاً عن إزالة صور حسن نصر الله وهاشم صفي الدين عن صخرة الروشة، فكيف يُنتظر أن يوازي المهمة بقوة ضد الحزب؟ وزاد ذلك من احتمال أن تكون تصريحات باراك محاولة لإعداد الرأي العام اللبناني والدولي لقبول فكرة أن “البديل الوحيد” هو تدخل إسرائيلي مباشر بحجة أن الدولة اللبنانية غير قادرة أو غير راغبة في القيام بهذه المهمة.
ردود لبنان الرسمية والسياسية
رد رئيس البرلمان نبيه بري كان واضحاً وحاداً، إذ رفض توصيف باراك للحكومة والجيش والمقاومة، وأكد أن الجيش اللبناني لن يكون حارس حدود لإسرائيل، وأن سلاحه ليس سلاح فتنة بل أداة لحماية السيادة الوطنية. رسالته تحمل أيضاً تمسكاً بمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” كصيغة توازن داخلي، وتأكيداً على دور الجيش كجسم وطني جامع.
أما رئيس الحكومة نواف سلام فكان أكثر تحفظاً، إذ عبّر عن استغرابه من تصريحات باراك وشدد على التزام الحكومة البيان الوزاري وحصر السلاح بالدولة، وطلب من المجتمع الدولي دعم الجيش والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها. في المقابل، انتقده بعض المحللين باعتباره غير حاسم بشكل كاف، معتبرين أن الخطاب كان استغراباً دون رفض صريح يليق بمكانة السيادة الوطنية.
في سياق التحليل، يرى الكاتب السياسي فيصل عبد الساتر أن تصريحات باراك تشكل “انتهاكاً للسيادة الوطنية” وانحيازاً صريحاً لإسرائيل، محذراً من خطر الانجرار نحو حرب أهلية. كما يرى أن الانحياز الأميركي يعكس سياسات تجاه المنطقة تقود إلى تقديم دعم مطلق لإسرائيل على حساب الحقوق العربية والفلسطينية واللبنانية، وأن التوجه يُضعف موقف لبنان الداخلي ويكشف توتراً إضافياً بين المؤسسات الوطنية ودوائر القرار الخارجية.
لبنان على شفير المواجهة
التصريحات الأمريكية أحدثت صدمة وجدلاً واسعاً، ويصفها عبد الساتر بأنها تجاوزت الأطر الدبلوماسية والأخلاقية، وتهدد كرامة الدولة وسيادتها وتضع مؤسساتها أمام اختبار حاسم في حماية القرار الوطني. في حديثه لبرنامج “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، أشار إلى أن باراك لم يعد مجرد وسيط محايد بل أصبح مُمثلاً لطرف خارجي محدد، وهو ما يحوّل لبنان إلى ساحة ضغط مفتوحة ويجبر الدولة على مواقف داخلية وأمنية غير خادمة لأجندات خارجية.
ويؤكد عبد الساتر أن السياسة الأميركية في المنطقة تعكس دعماً واضحاً لإسرائيل، مع أن الحرب في غزة تعيش فصولها رغم الوعود، ما يعزز مخاطر أن تقود الضغوط إلى مزيد من التدخلات خارجية. ويرى أن قبول هذا الوضع يمثل هواناً سياسياً يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد أخطر وتحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات خارجية، الأمر الذي يفرض على لبنان اليقظة وحماية سيادته وكرامته وعدم الانجرار إلى صراعات داخلية مفتعلة تحت ستار الوساطة.
حزب الله.. المستهدف المباشر
الحزب يعي أن الضغوط تتزايد. رفع الصور على صخرة الروشة يرد كإشارة رمزية إلى أن الحزب لا يزال في وضع قوة داخلية، وأن أي محاولة لانتزاع سلاحه بالقوة ستواجه برداً عنيفاً وتؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.
الداخل اللبناني.. الانقسام المستمر
الانقسام بين خطاب بري الحاد وخطاب سلام المتحفظ يعكس مأزق الدولة اللبنانية، فبدلاً من التكاتف لمواجهة التهديد الخارجي، يظهر الخلاف مجدداً حول العلاقة مع حزب الله ودور الجيش. هذا الانقسام قد يضع الموقف الرسمي أمام ضغوط دولية ويهدد وحدته في مواجهة أي تطورات أمنية جديدة.
المستقبل القريب للبنان
يظل لبنان أمام خيار الحفاظ على سيادته ومؤسساته في مواجهة ضغوط خارجية متصاعدة وخيار آخر قد يفرض عليه مسارات صعبة. تصعيد باراك يحمل إشارات تحذيرية واضحة، ويجب تعزيز موقف داخلي موحد، وتفعيل دور الجيش في حماية السيادة دون الانجرار لصراعات مفتوحة، ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية بحزم ووعي لضمان أن تبقى الدولة اللبنانية حامية لشعبها وليست ساحة لتصفية حسابات خارجية.







