تتصاعد الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث لتشمل مدناً كبرى ومناطق جامعية وأسواقاً تجارية، وسط تصاعد في الخطاب السياسي الإقليمي والدولي المحيط بها.
ويُبرز هذا المشهد التداخل بين شارع محتج ومواقف أميركية متشددة ورفع إسرائيلي لمستوى الجاهزية، وهو وضع يضع طهران أمام معادلة معقدة تجمع الضغط الداخلي واحتمالات التصعيد الخارجي في لحظة حساسة.
صدر الحرس الثوري بياناً دعا فيه إلى تحركات مضادة ضد من وصفهم بالخونة الذين ينفذون أجندات أميركية وإسرائيلية، فيما تواصل الدعوات الشعبية للتظاهر احتجاجاً على الأوضاع المعيشية، ما يعكس تصعيداً متبادلاً في الخطاب والميدان.
ضربة أميركية محتملة: الحسابات المعقدة
يطرح أستاذ القانون الدولي هادي دلول تساؤلاً مركزياً حول طبيعة أي ضربة أميركية محتملة، قائلاً إن القرار يحدده البنتاغون والكونغرس، ويُوزن فيه الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية، مع وجود تردد في اتخاذ خطوة واسعة.
ويستحضر دلول تجربة سابقة استمرت 12 يوماً حين أوقفت الولايات المتحدة عملياتها بعد ساعات محدودة، ما يعكس تردداً في الدخول في مواجهة مفتوحة.
ويؤكد أن ضبط التصعيد ليس في يد الإعلام أو المحللين، بل في قرارات البنتاغون والكونغرس، وتُوزن فيها التكاليف والأثمان المحتملة.
ضبط الأمن الداخلي
في الشأن الداخلي يوضح دلول أن انتشار قوات الباسيج يأتي في إطار ضبط المخربين ومتابعتهم، بالتوازي مع دوريات مدنية تشكلت من مواطنين لمراقبة التحركات غير الطبيعية.
ويؤكد أن الهدف الأساسي هو توقيف المخرب حيّاً وبحالة تسمح بالتحقيق معه للوصول إلى الجهات المحرضة ومصادر التسلح، وليس تصفيته. كما يعتبر أن التخريب والحرق والتكسير ممارسات مرفوضة في أي دولة، وأن التعامل معها أمنياً ليس استثناء إيرانياً.
يفصل دلول بين حق التظاهر السلمي وبين الانزلاق إلى العنف والتخريب، ويشير إلى أن تجاوز المؤسسات المنتخبة مثل مجلس الشورى يقوض المسار السياسي، وأن الاعتراض على نزاهة الانتخابات كان يجب أن يتم فور إعلان النتائج. من هذا المنطلق يعتبر أن التخريب لا يمكن تبريره سياسياً أو قانونياً مهما كانت المطالب.
ازدواجية المعايير وملف حقوق الإنسان
ينتقد دلول ازدواجية المعايير الغربية، متسائلاً عن سبب إدانة الإجراءات الإيرانية مقابل الصمت حيال ما يجري في غزة من قتل للأطفال، أو ما قامت به الشرطة الأميركية في احتجاجات داخلية.
ويرى أن العدالة في القانون الدولي تقتضي معاملة جميع الأطراف بمعيار واحد، سواء في فرض العقوبات أو في توصيف الانتهاكات.
وفي استشرافه للمشهد الإقليمي يرجح أن أي ضربة أميركية محتملة ستكون خارج الأراضي الإيرانية، خصوصاً في العراق، في إطار محاولة حفظ التوازن وتجنب مواجهة مباشرة. لكنه يؤكد أن الشارع الإيراني بات عاملاً حاسماً، وأن أي تقاعس عن الرد قد يفتح الباب أمام تداعيات داخلية كبيرة.
الشارع كحكم نهائي
يختتم دلول بأن الكلمة الفصل ستكون للشارع، معتبرًا أن حجم المشاركة ونوعها سيحددان اتجاهات المرحلة المقبلة. ويحذر من أن التصعيد الخارجي قد يعزز تماسك الداخل، فيما قد يؤدي الانزلاق إلى مواجهة شاملة إلى تداعيات تتجاوز إيران إلى الإقليم بأسره.
تدويل الاحتجاجات وشرعنة الضغوط
يرى مدير برنامج الدراسات الإقليمية في مركز دراسات الشرق الأوسط نبيل العتوم أن التهديدات الأميركية الأخيرة تعكس سياسة «تراجع عالي السقف»، تهدف إلى توجيه رسائل مباشرة إلى النظام الإيراني.
ويضيف العتوم أن واشنطن تسعى لتدويل الاحتجاجات الإيرانية وجعلها قضية دولية تبرر اعتماد استراتيجيات ضغط جديدة، تشمل شرعنة الضغوط الوسطى على القيادات السياسية والأمنية وتقييد دور الأجهزة الأمنية، مع رفع معنويات الشارع.
يشير العتوم إلى أن المرحلة الحالية تمثل نقطة مفصلية مع تصاعد غير مسبوق للعنف ضد المتظاهرين وارتفاع أعداد الضحايا. ويرى انتقال التهديد من مستوى سياسي إلى عسكري علامة على دخول خيارات الضرب في التخطيط العملياتي، مع تركيز غير تقليدي على أهداف محتملة مثل مقار الحرس الثوري وقوات الباسيج والأجهزة الاستخبارية، وهو ما يعكس تحولا في العقيدة الأميركية نحو «الردع السلوكي».
سيناريوهات التغيير المحتملة
يخلص العتوم إلى أن النزيف الداخلي مرشح للاستمرار مع عجز النظام عن معالجة أزماته البنيوية. ويطرح أربع سيناريوهات للتغيير: التفكك البطيء، والانفجار والفوضى، والانهيار السريع، ومسار هجين يجمع بين هذه النماذج. ويعد عامل تماسك الأجهزة الأمنية والعسكرية الحاسماً، فتماسكها قد يطيل عمر النظام بينما يؤدي انقسامها إلى سقوطه أسرع.
تهديدات متبادلة واحتمالات التصعيد
يرى سكوت أولنجر، المنحدر من وكالة الاستخبارات الأميركية سابقاً، أن إيران تسعى إلى توجيه رسائل تهديد مباشرة للولايات المتحدة عبر التلويح بالصواريخ الباليستية، في توقيت يقترب من مواجهات محتملة، بينما تبدي واشنطن استعداداً لخطوات عملية متدرجة قد تتسارع في حال وجود تقارير عن أعداد كبيرة من القتلى.
وعند الحديث عن الداخل الإيراني، يشير أولنجر إلى أن قوات الباسيج عاجزة عن احتواء الاحتجاجات المتسعة، ما يدفع النظام إلى الاعتماد على الحرس الثوري، وقد يطال الأمر الاستعانة بعناصر خارجية للتصدي للمتظاهرين، ما يوحي بتهديد داخلي يتسع نطاقه.
وعند توجيه النظر إلى أهداف أي مواجهة محتملة، يوضح أن الاستهداف الأميركي لو حصل سيتركز على مراكز القيادة والسيطرة للنظام، مع وضع الحرس الثوري في مقدمة الأهداف، وتكون القائمة لا تقتصر على رأس النظام بل تمتد إلى قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية المرتبطة به.
الغضب الشعبي وسردية النظام
يؤكد أولنجر أن ملايين الإيرانيين يعيشون حالة إحباط وغضب عميقين نتيجة عقود من حكم قمعي، وأن قتل المتظاهرين يزيد الأزمة تعقيداً. وفي المقابل ينتقد النظام روايته التي تلقي بالاحتجاجات على الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً ذلك صرفاً للأنظار عن المطالب الداخلية المشروعة.
ويختتم بأن الإدارة الأميركية تفضّل أن يكون التغيير نابعاً من الداخل الإيراني مع دعم جانبي محدود، بهدف تجنّب إضفاء طابع التدخل الخارجي على الحراك الشعبي، مع بقاء احتمالات التطور مفتوحة على سيناريوهات متعددة.







