رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

دافوس 2026: بين طموحات كبرى وواقع عالمي مضطرب

شارك

يجتمع نخبة العالم في منتجع دافوس السويسري منذ أكثر من نصف قرن تحت شعار طموح: “تحسين وضع العالم”، لكن دورة 2026 تنعقد في سياق مختلف جذرياً حيث يمر النظام الدولي بأزمة قد تكون الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد النزاعات المسلحة وتآكل التعددية وعودة منطق الصدام بين القوى الكبرى.

انطلقت فعاليات المنتدى يوم الإثنين، 19 كانون الثاني 2026، وتستمر حتى 23 منه، تحت شعار “روح الحوار”، بمشاركة نحو 3000 شخصية من رؤساء دول وحكومات، ومسؤولين دوليين، وقادة كبرى الشركات، وخبراء من مختلف المجالات، ويأتي هذا الحشد في محاولة لاستعادة خيط التواصل في عالم يبدو أكثر انقساماً وأقل استعداداً للتوافق.

دافوس في زمن الانهيارات المتعددة

يعقد المنتدى هذا العام بينما لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية مستمرة، والعدوان الإسرائيلي على غزة يهدد بتفكيك المبادئ الأساسية للقانون الدولي. وفي الخلفية، تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين وتتسع دائرة الصدام الجيو-اقتصادي عبر العقوبات وسلاسل الإمداد المقطوعة والرسوم الجمركية الانتقامية.

ويؤكد تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى أن “التنافس الجيو-اقتصادي بين القوى الكبرى” بات التهديد الأبرز خلال العامين المقبلين، متقدّماً حتى على الحروب المباشرة، والتغير المناخي، وانتشار التضليل الإعلامي، وهو مؤشر صارخ على انتقال العالم من عصر العولمة إلى عصر المنافسة الإستراتيجية الصلبة.

من يحضر.. ومن يرسم الأجندة؟

تشهد دورة 2026 حضوراً غير مسبوق، مع مشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب نحو 850 رئيس مجلس إدارة ومدير تنفيذياً لشركات عالمية، وعشرات الوزراء المعنيين بالاقتصاد والتجارة والشؤون الخارجية.

ويبرز الحضور الأمريكي بشكل استثنائي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي وصل اليوم الأربعاء على رأس أكبر وفد أمريكي في تاريخ المنتدى، يضم وزراء الخارجية ماركو روبيو، والخزانة سكوت بيسنت، والتجارة هوارد لوتنيك، إضافة إلى المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وبحسب صحيفة “ذا غارديان” فإن هذا الحشد يعكس رغبة واشنطن في فرض أجندتها داخل المنتدى، لا مجرد المشاركة فيه، وفي المقابل، يسعى قادة أوروبيون ومسؤولون دوليون إلى استخدام المنصة للدفاع عن التجارة الحرة، ودعم أوكرانيا، والحفاظ على ما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد.

“روح الحوار”.. أم منبر لرسائل سياسية؟

وتشير الصحيفة البريطانية إلى وجود تناقض صارخ بين الخطاب والواقع، فحضور ترامب الذي ارتبط اسمه بتقويض المؤسسات متعددة الأطراف، وتهديد الحلفاء بالرسوم الجمركية، وطرحه علناً فكرة ضم جزيرة غرينلاند، حوّل المنتدى إلى ساحة اختبار قوة أكثر من كونه مساحة تفاهم.

وأصبحت غرينلاند رغم بعدها الجغرافي عن جبال الألب، أحد أبرز ملفات النقاش في كواليس دافوس، بعد أن أعلن ترامب نيته عقد اجتماعات حولها على هامش المنتدى، معتبراً إياها “مصلحة أمنية حيوية للولايات المتحدة”.

ويرى مراقبون أن توقيت هذه التصريحات ليس عشوائياً، بل مقصود لاستغلال الزخم الإعلامي والسياسي الذي يوفره دافوس.

نخبوية متجذرة.. وانتقادات متزايدة

رغم محاولات التجديد، لا يزال المنتدى يُنظر إليه كملتقى للنخب، فتكلفة العضوية العالية، ونظام الدعوات المغلق، والبطاقات الملونة التي تحدد مستويات الوصول، كلها تعزز صورة الحدث كـ”نادي حصري” للأقوياء.

وتتزامن فعالياته مع احتجاجات في دافوس ومدن سويسرية أخرى تندد بعدم المساواة والتهرب الضريبي وهيمنة الشركات الكبرى، وتصف المنتدى بأنه يقدم “كثيراً من الكلام، وقليلاً من الإنجاز”، بل إن بعض المشاركين داخل أروقة المنتدى يعترفون بأن دافوس أصبح ضحية نجاحه، وسط نقاشات حول إمكانية نقل مكان انعقاده مستقبلاً بسبب الضغط اللوجستي وتضخم الحدث.

ما الذي أنجزه دافوس حقًّا؟

لا يمكن إنكار أن المنتدى لعب دوراً في إطلاق مبادرات ذات تأثير حقيقي، مثل تطبيع العلاقات بين تركيا واليونان عام 1988 وإطلاق التحالف العالمي للقاحات (Gavi) عام 2000 ودفع قضايا التغير المناخي، والصحة العالمية، والحوكمة الرقمية إلى صدارة الأجندة الدولية، لكن منتقديه يشيرون إلى أن هذه الإنجازات تظل استثناءات، وأن القرارات الحاسمة تُتخذ في عواصم القرار، لا في المنتجعات الجبلية.

ومع انعقاد دورة 2026 يتبادر إلى الذهن سؤال: ما الذي يستطيع منتدى دافوس القيام به لإنقاذ النظام العالمي، أم أنه ليس أكثر من مجرد منصة نخبوية؟

مقالات ذات صلة