أوضح الدكتور هاني نسيرة أن فلسفة الصوم تبدو غريبة ومستغرِبة بل صعبة في فهمها عند البعض، لأنها تدعو المسلم المتديّن إلى الخروج من دائرة العادات وقطع رغباته والانقطاع عن ملذاته.
ويشير إلى أن أحد روافد فهم المعنى يبدأ من الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به»، فالصوم عنده تدريب واختبار رباني يرفع الإنسان إلى خالقه ويقوده للخروج من عاداته والامتناع عن الشهوات، لترتقي روحه ووجدانه وتسمو إرادته، حتى يظهر لمن لا يؤمن به أنه ليس بالأمر السهل.
ويكشف نسيرة أن معنى «الصوم لي» يلمّح إلى السرّية، فالله وحده يعلم إخلاص هذه العبادة وخفاء أثرها في النفس، والصوم عن كل شهوة ورغبة معنوية أو مادية، وهو فهم عميق يغوص في التحرر من الجسد والارتقاء بالروح نحو السماء.
فالسر في الصوم ليس مجرد امتناع جسدي بل تركيز على التحرر من متع الجسم، فالصوم يحرر الروح من هيمنة الأشياء ويعلو بالإنسان على العادة، فيعزّز الإرادة ليبتعد عن الأشهى للبطن أو الفرج.
الصوم في النص القرآني والتاريخ البشري
وفي قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» يظهر وجود الصيام في حضارات ودينات قديمة، فكان الفراعنة يضبطون صوماً من مطلع الشمس إلى الغروب يشمل الطعام والشراب والجماع، وفي سبأ باليمن كانت هناك صيام شهري تقرباً من إله القمر، ويختمون الصوم بالاحتفال والذبائح والصدقات.
ويسرد نسيرة أن اليونان عرفوا الصوم أيضاً، فقال أبو الطب أبقراط: «إنما نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل»، كما قال: «إنك حين تمرض وتأكل فإنك بذلك تطعم المرض»، وكان الصوم عند فيثاغورس يتطلب أربعين يوماً، بينما كان العرب يصومون أيام 13 و14 و15 من كل شهر كتمرين موسمي، وينتهي عند المسلمين بعيد الفطر ويختلف عند أهل الكتاب مع أعياد مثل الفصح والقيامة والغفران، كما يستحب التطوع للجميع.
الصوم بين الفلسفات الآسيوية وتأثيره الاجتماعي
لفت نسيرة إلى أن للصوم مكانة في الفلسفات الآسيوية مثل البوذية والطاوية والهندوسية، حيث يمتنع أتباع الطاوية عن السمك واللحم والحليب والبيض خلال فترات التأمل، وهذا يبرز أثر العبادة الجماعية في تقوية روابط المجتمع وإشاعة الشعور بالفقراء والتكافل بينهم.
ويرى أن الصوم يشبه فقراً إجباريّاً يجمع الناس في فرحٍ واحد عند موعد الإفطار، فبينما يصوم الجميع طوال النهار، يتحقق الانكشاف على عطاء الله وكرمه عندما يأتي وقت التصدق والكرم من الأغنياء إلى الفقراء.
الصوم كاختبار روحي ونفسي
ويؤكد نسيرة أن الصوم وضع الصائم في اختبار عملي للترفع والتحلي والتجلي، فصفاؤه الروحي يجعله أقوى من شهواته وحقوقه وممتلكاته، وهو ليس مجرد جسد وشهوة، بل غوص في معنى روحي عميق يبتعد عن المادة واللذة ويغوص في الروح والسمو الإنساني، مع تعلم الزهد والتجاوز وعبادة جديدة هي تجاوز الشهوة والعادة وحرْم الجسد من ابتلاع النفس وروحها والانطلاق نحو حب أعلى هو الخالق.
وينهي بأن الادعاء بأن أحكام الدين لا تُأخذ بالعقل وبإلغائه إلى الهوى يخالف أساس الفهم، فكل عبادة وسلوك يحتاجان إلى مقصودهما وحكمتهما. فالصوم في عمقه تدريب على السمـو الإيماني والإنساني وافتقار إلى اللذة العاجلة، وهو طريق نحو العطاء والإرادة القوية في مواجهة الشهوة والعادة.







