رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

من بغداد إلى كابول: هل تتكرر وصفة الفوضى في طهران؟

شارك

سقط النظام في بغداد عام 2003 بسرعة، كما سقطت كابول عام 2001، لكن سنوات ما بعد السقوط أظهرت أن الخلاص العسكري لا يعني الاستقرار. في هذين المثالين بدا المشهد حاسمًا في بدايته: تفوق عسكري واضح، انهيار سريع، وإعلان عن مرحلة جديدة. ومع ذلك أثبتت السنوات اللاحقة أن إسقاط النظام قد يفتح باب فراغ طويل يعيد تشكيل الخريطة السياسية والأمنية بشكل أكثر تعقيدًا.

إيران في مواجهة التحدي وتكتيكات الضغط

في إيران ليست الدولة هشة تقف على شخص أو جهة بعينها، بل لديها جيشاً نظامياً، حرساً ثورياً، أجهزة أمن متعددة، جهازاً بيروقراطيّاً واسعاً، واقتصاداً يقاوم العقوبات والضغوط. وهذا يجعل سيناريو الانهيار السريع أقل احتمالاً، رغم أن الضربات الكبيرة تمتد وتؤثر في بنية البلد.

آليات الضغط وتداعياتها

غير أن الضربات واتساعها قد يصل إلى مفاصل الأمن الداخلي ومؤسسات الإعلام والإدارة، فالمقصود هنا ليس تعطيل القدرات القتالية فحسب، بل الضغط النفسي والاقتصادي والإعلامي. الفوضى في هذه الحال لا تعني انهياراً فوريًا، بل إنهاكاً تدريجيًا يضعف الثقة ويخلق بيئة اهتزاز مستمرة.

أبعاد الاستنزاف الطويل والحدود السياسية

وفي بعض الخيارات الاستراتيجية قد يكون الهدف إبقاء الخصم في حالة استنزاف دائم، لا إنهاء المواجهة بسرعة. هذه الرؤية تستخدم الفوضى كأداة ضغط، لكنها قد تتجاوز الحدود المرسومة إذا خرجت عن سيطرة الدول المعنية، وتصبح تهديداً لاستقرار الإقليم.

الخطاب الأميركي الإسرائيلي والتحدي القانوني والأمني

يُقدَّم العمل العسكري كأمر دفاعي واستباقي من أجل تقليل تهديد إستراتيجي، لكن الفاصل بين الردع الوقائي وإعادة تشكيل الداخل رفيع. عند تزامن الضغط العسكري مع ضغوط اقتصادية وإعلامية، يتضاعف التأثير وتصبح قدرة الدولة على امتصاص الصدمات عامل حاسم في تحديد المآل.

سيناريوهات المعركة وتأثيرها على الاقتصاد الإقليمي

السيناريوهات المطروحة متعددة: احتواء سريع يؤدي إلى قواعد اشتباك جديدة، أو استنزاف طويل يضعف دون إسقاط، أو فوضى أوسع تمتد خارج الحدود. الأخير أكثر خطورة لأن إيران ليست جزيرة، وأي اضطراب عميق فيها ينعكس على الإقليم كله. من الناحية الاقتصادية، إيران لاعب مهم في سوق الطاقة، وأي اضطراب طويل يؤثر على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين والأسواق العالمية، ما يجعل الفوضى تحمل تبعات دولية تمتد بعيداً عن مقر الصراع.

الأردن وتأثره وأولويات الاستقرار الإقليمي

أما الأردن فهو ليس طرفاً في المواجهة لكنه يتأثر بمردودها بسبب موقعه في قلب المنطقة. تغيّر تكلفة الاستيراد، وتأثر الممرات التجارية، والآثار على البيئة الاستثمارية والمزاج الاقتصادي الداخلي كلها عوامل تشكل أهمية لقراره الوطني ومسؤولياته تجاه الاستقرار الإقليمي. لهذا تدعو المملكة إلى خفض التصعيد كخيار واقعي وتعبير عن فهم كلفة الفوضى على الدول المتوسطة الحجم، فاستقرار الإقليم مصلحة وطنية مباشرة للأردن.

دروس من الماضي ومسؤولية إدارة ما بعد الصراع

تُعلمنا السنوات الأخيرة أن إسقاط الدولة أسهل من بناء الاستقرار الحقيقي. العراق استغرق سنوات لإعادة التوازن، وليبيا لا تزال تبحث عن صيغة جامعة، وأفغانستان أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء استقرار طويل. وإذا كانت طهران أمام لحظة فاصلة، فإن السؤال لا يركز فقط على نتائج الضربات، بل على قدرة الجميع على إدارة ما بعدها وتجنب دوائر الفوضى الممتدة.

خلاصة وتوقعات للمستقبل

التحدي الحقيقي ليس إطلاق الشرارة الأولى بل إغلاق دوائر الاضطراب قبل أن تتحول إلى حالة ممتدة يصعب احتواؤها. في منطقة تتداخل فيها الجغرافيا مع الأمن والاقتصاد، قد تكون محاولة هندسة الفوضى مقامرة تفوق الحسابات الأولية. من بغداد إلى كابول كان الدرس واضحاً: الفوضى قد تُستخدم كأداة، لكنها نادراً ما تبقى تحت السيطرة الكاملة، والسؤال ليس فقط من سيفوز عسكرياً في المدى القصير بل هل تتحمل المنطقة عاقبة اضطراب طويل يعيد تشكيلها بدون ضمانات لمآلاتها؟

مقالات ذات صلة