رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

عاجل | خلاف حاد بين ترمب وستارمر حول اتفاقية جزر تشاجوس يشعل حرب إيران

شارك

أوضح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة لا تمثل طبيعة العلاقة المميزة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وأنه لم يكن مستعداً لإشراك بريطانيا في حرب دون وجود أساس قانوني وخطة مدروسة وقابلة للتطبيق.

في جلسة برلمانية عاصفة بمجلس العموم، أضاف ستارمر أن آخر تصريحات ترمب عن بريطانيا لا تعكس الروابط القوية التي تجمع البلدين، وأن الالتزام بالرد على استفزازات سابقة من جانب الرئيس الأميركي لم يكن ليقدّم عليه دون وضوح قانوني وخطة عملية قابلة للتنفيذ.

وخلال الساعات الأخيرة، أشار ترمب إلى أن بريطانيا ليست شريكاً كما كانت، وقلّل من مكانة ستارمر قائلاً إنه لا نتعامل مع وينستون تشرشل، وعبّر عن استيائه من المملكة المتحدة رغم موافقتها على استخدام القاذفات الأميركية من قاعدة دييجو جارسيا لضرب أهداف إيرانية.

قبل ذلك بيومين، قال ترمب لصحيفة The Sun إن العلاقة بين البلدين لم تعد كما كانت، ثم أدلى بتصريح لصحيفة التلجراف قال فيه إن ستارمر تأخر وتلكّأ في السماح لأميركا باستخدام القواعد البريطانية في الحرب على إيران، مع أن ستارمر ووزراءه لم يعارضوا علناً الهجوم الذي أدى إلى اغتيال خامنئي، وهو ما أشعل آنذاك خط المواجهة حول القاعدة.

ورغم أن ذلك لم يثمر عن موقف قوي يحظى بترحيب ترمب، إلا أن ستارمر خرج لاحقاً ليعلن أن موقفه قد تغيّر عندما شنّت إيران هجمات انتقامية على دول عدة في الشرق الأوسط، والقاعدة البريطانية في قبرص، فسمح باستخدام المطارات البريطانية في هجمات دفاعية ضد إيران من قبل الولايات المتحدة.

ولم يُغفر ذلك للرئيس الأميركي لدى ستارمر، الذي واصل تقديراته النقدية في مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض، وتطرق إلى سياسات الطاقة والهجرة وهو ما اعتبره بعض المراقبين خارج موضوع الخلاف الحالي بين لندن وواشنطن.

لكن الحقيقة أن اتفاق جزر تشاجوس، الذي أثار غضب ترمب عندما أُثير النزاع حوله، ليس فكرة وليدة حكومة ستارمر بل كان من مبادرات وتصورات حكومة المحافظين السابقة بقيادة ريشي سوناك في 2022.

ويذهب بعض المحللين إلى أن ترمب كان غاضباً من موقف ستارمر في الحرب على إيران، إذ تبدو آراء ترامب تجاه الصفقة وكأنها تتغير مع كل مرحلة من مراحل الأزمة، وهو ما يراه خبراء مثل ديفيد هانكي دليلًا على تقلبات سياسية في طريقة التعاطي مع هذا الملف.

أهمية جزر تشاجوس وقاعدة دييجو جارسيا

تقع جزر تشاجوس، التي تضم قاعدة دييجو جارسيا، على مسافة نحو 1250 كيلومتراً شمال شرق موريشيوس، وضُمّت إلى التاج البريطاني عام 1814 بموجب معاهدة باريس، وتعد من مواقع القوة العسكرية الاستراتيجية بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: الجغرافيا، والبنى التحتية، والموثوقية السياسية.

تقع دييجو جارسيا في وسط المحيط الهندي، ما يتيح للطائرات والقوات البحرية الوصول إلى ثلاث مسارات تشغيل حاسمة في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وجنوب آسيا، ومن هناك يمكن للنُظم الجوية الوصول إلى الخليج والبحر الأحمر وأفغانستان ومعظم غرب المحيط الهندي، دون الاعتماد على قواعد خارجية غير مستقرة.

في البنى التحتية يضم المطار طويلاً يستوعب القاذفات الثقيلة وطائرات النقل، بالإضافة إلى قدرات تخزينية للوقود والذخيرة ومعدات متمركزة للعمليات البحرية، أما سياسياً فالوضع يملك أرضاً بريطانية ذات سيادة ومؤجرة للولايات المتحدة، ما يجعلها واحدة من المواقع القليلة التي تسمح بتشغيل قوات كبيرة دون قيود من الدولة المضيفة.

وتؤكد مصادر مواجهة في واشنطن أن وجود القاعدة في دييجو جارسيا يوازي قوة حقيقية للجيش الأميركي في مسارات الشرق الأوسط وشرق إفريقيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يجعلها جوهرية لاستراتيجية الدفاع البريطانية والأميركية معاً.

ويضيف خبير الدفاع البحري جيمس بوسبوتينيس أنBesides وجود القاعدة الجوية، فإن الجزيرة توفر مركز إطلاق متقدماً لقاذفات استراتيجية مثل الشبح، وتضم منشأة دعم ومراقبة فضائية، ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الطويلة المدى.

أما مايكل باتريك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، فاختصر أهمية تشاجوس بقوله: هذه الجزيرة من أكثر المواقع أهمية استراتيجياً في العالم، خصوصاً للشرق الأوسط والشرق الإفريقي ومحيطي الهند والهادئ، حيث تحتاج قاذفاتنا بعيدة المدى إلى منصة انطلاق تغطي تلك المناطق بشكل كامل.

قصة الجزر والقاعدة والسيادة

بدأت القصة في 1965 عندما انفصلت جزر تشاجوس عن مستعمرة موريشيوس التي نالت استقلالها عام 1968، وبُنيت قاعدة عسكرية بريطانية أميركية مقابل السماح بالوجود الأميركي، لتُجلى السكان الأصليون من الجزيرة إلى موريشيوس وسيشيل وبريطانيا نفسها.

وبدأت الخلافات القانونية حول السيادة منذ الثمانينات، حيث سارعت موريشيوس للمطالبة بحق السيادة، وحققت نجاحاً في عام 2019 عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً بأن فصل الجزر عن موريشيوس لم يكن قانونياً، وأن على المملكة المتحدة إنهاء إدارتها للأرخبيل في أسرع وقت ممكن.

وفي 2021 صدر قرار من غرفة التحكيم التابعة للأمم المتحدة في قانون البحار بأن لا حق لبريطانيا في فرض سيادتها على جزر تشاجوس، وهو قرار ملزم لكل من موريشيوس والمالديف، وهو ما دفع بريطانيا إلى الدخول في مفاوضات مع موريشيوس لحسم الوضع المستقبلي للجزر ووجود القاعدة.

ويرى المحللون أن الحفاظ على الوضع الحالي يبدو أطول أمداً في ظل وجود مخاطر دبلوماسية وتهمت بتطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي، وهو ما يدفع بريطانيا إلى معالجة الملف بتوازن حذر مع الحفاظ على قدرتها الدفاعية والتنسيق مع الولايات المتحدة.

وتوجد وجهة نظر منافسة داخل بريطانيا تقول إن اتفاق تشاجوس يهدد الأمن الدفاعي الغربي، وتصفه زعيمة المحافظين كيمي بادينوك بـ”معاهدة استسلام”، بينما يرى الخبير جيمس بوسبوتينيس أن على لندن إنهاء الصفقة والاحتفاظ بالسيادة، نظراً إلى أهمية العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة وتجنب حالة من عدم اليقين الاستراتيجي في المستقبل.

وبينما ترى بعض الجهات أن الحفاظ على الاتفاق المؤقت قد يطلب تنازلات من لندن، يرى مسؤولو الدفاع الأميركي أن تواصل الولايات المتحدة وجودها في دييجو جارسيا هو المفتاح، وأن نقل السيادة إلى موريشيوس قد يفتح باباً لممارسات تعديل السيادة في المستقبل، وهو ما يستلزم حراً من المنظومة الدفاعية الأمريكية.

تفاصيل الاتفاق المقترَح

يرتكز الاتفاق المقترح مع موريشيوس على استعادة السيادة لموريشيوس على جميع جزر تشاجوس، مع احتفاظ بريطانيا بحق الانتفاع بقاعدة دييجو جارسيا لمدة 99 عاماً، قابلة للتجديد مرة واحدة لمدة 40 عاماً إضافية، وفي مقابل ذلك ستدفع بريطانيا 101 مليون جنيه سنوياً لموريشيوس، وتُفرض منطقة بحرية حظر تمتد 24 ميلاً بحرياً، وتُمنع موريشيوس أي دولة من بناء منشآت عسكرية أو مدنية في باقي جزر تشاجوس.”

وتنص الشروط على أن تُعاد إلى السكان الأصليين العودة إلى ديارهم ضمن مناطق موريشيوس، مع استثناء جزيرة دييجو جارسيا التي تتواجد فيها القاعدة العسكرية.

ولدى طرح الملف، حرصت الحكومة البريطانية على إبلاغ الإدارة الأميركية السابقة والحالية بخطتها، في إطار ما يسمى بالعلاقة الخاصة، مع الحرص على وجود دعم أميركي لضمان المصالح الدفاعية المشتركة، بينما لم تخلُ المواقف من تقلبات الرئيس الأميركي.

بعد أن بدا أن ترامب سيبقى على موقفه خلال الشهر الأول من رئاسته، تعرّض الملف لتقلبات كبيرة، فبين تصريحات داعمة وتصريحات معرّضة للانتقاد، ثم عودة إلى الحديث عن أهمية الصفقة ومراعاة المخاطر المحتملة في حال نقل السيادة إلى موريشيوس، خصوصاً في ضوء التطورات الدولية والضغوط من الصين وروسيا في المنطقة.

وتشير تقارير إلى أن الموقف الأميركي تغيّر لاحقاً مع دعم وزارة الخارجية للاتفاق، لكن ترامب عاد ليكتب عبر منصته الخاصة أن عقود الإيجار طويلة المدى لا تفيد الدول، وأن ستارمر يخاطر بفقدان السيطرة على الجزيرة، وهو ما حاول بعض المراقبين تقويمه كجزء من ديناميكيات التنافس خلال المزايدات السياسية والضغوط الدولية.

المراحل الأخيرة

تسعى الحكومة البريطانية حالياً إلى إقرار الاتفاق من خلال البرلمان بمجلسيه، وهو الآن في مرحلة المراجعة في مجلس اللوردات بعد أن لاقى الثقة في مجلس العموم، وتواجه مهلة غير رسمية حتى مايو للمضي قدماً وإلا فسيُعاد فتح الملف من جديد.

ولم يُحدد موعد للجلسة التالية في مجلس اللوردات، لكن وزير العدل أليكس ديفيز جونز قال إنه سيعود إلى المجلس حين يسمح الوقت البرلماني، بما يعكس حالة التردد والجدل التي تحيط بالصفقة في الأوساط السياسية البريطانية وفي العلاقات مع الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة