رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

عاجل | روجهلات في عين العاصفة: الأكراد وإيران ضمن حسابات الجغرافيا والسياسة

شارك

تناول التقرير العربي تطورات جديدة حول دور الأكراد الإيرانيين في سياق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مع إشارات إلى اتصالات أميركية مع بعض القادة الكرد الإيرانيين وتحذيرات من دخولهم إلى خطوط المواجهة، ومحاولات عراقية للنأي بالنفس عن المشهد المعقد أصلاً.

ورغم اختلاف التصريحات بين واشنطن وتل أبيب حول هذه الفكرة، عدل الرئيس الأميركي دونالد ترمب موقفه من دعوة الأكراد لاختيار جانب في الصراع إلى القول بأنه لا يرى داعياً لمشاركتهم في المرحلة الراهنة تجنّباً لإضفاء مزيد من التعقيد على وضع أساسه مركب.

نفى بعض المصادر الكردية الإيرانية وجود تحالف رسمي أو اتفاق يهدف لتنفيذ تدخل عسكري، مع عدم الرفض المطلق للفكرة بشرط أن تخدم مصالح وتطلعات الأكراد الإيرانيين، بينما أشارت مصادر كردية إيرانية أخرى إلى أن الولايات المتحدة تجري اجتماعات مع بعض قادة الأكراد الإيرانيين لمناقشة دور القوى السياسية الكردية في إسقاط النظام الإيراني.

يرى الكاتب الصحفي الكردي الإيراني بهمن حسن أن النقاشات مع مسؤولين أميركيين تشمل بحث مشاركة الأكراد الإيرانيين في إطار عملية سياسية تخص مستقبل البلاد، بينما يرى الكاتب سوران بالاني بأن الحركة الكردية كقضية لها إرادتها المستقلة وليست أداة بيد أطراف خارجية، وتقرّب مصالحها أحياناً من قوى دولية مناهضة لطهران، لكن قراراتها نابعة من إرادتها الذاتية.

مع تزايد الحديث عن احتمال مشاركة الأكراد في الحرب، عاد تعقيد الموقف السياسي للأكراد في إيران إلى الواجهة، خصوصاً مع تقاطع مصالحهم مع قوى دولية تماشياً مع رفضهم أن تكون قضيتهم مجرد ورقة في صراع القوى الكبرى.

الهوية والديموغرافيا

يُطلق الأكراد في إيران على مناطقهم في الشمال الغربي مصطلح “روجهلات” (Rojhelat) ويعنون به الشرق، أي كردستان الشرقية.

وغياب إحصاءات رسمية منشورة يعوق تثبيت عدد دقيق، فتختلف التقديرات بين جهات غربية ومراكز بحثية وأحزاب كردية محلية.

فالمراكز الغربية وأجهزة مخابرات تقدر الأكراد الإيرانيين بنحو 8 إلى 10 ملايين نسمة (قرابة 10% من السكان)، فيما تتحدث مصادر محلية وأحزاب عن 12 إلى 15 مليوناً عند احتساب المهجرين تاريخياً والسكان في طهران والمدن الكبرى بسبب التهميش الاقتصادي.

أما التقدير الرسمي الإيراني فيشير إلى نحو 7 ملايين أو أقل، مع احتساب محافظة كردستان وحدها وتجاهل محافظات أخرى ذات غالبية كردية ككرمانشاه وإيلام بوصفها محافظات متنوعة.

الواقع الأمني والسياسي

عاشت مناطق الأكراد في إيران لعقود تحت سيطرة أمنية مشددة، ومع أن نسبتهم تقارب 10–15% من السكان، فإنهم يشكلون غالبية السجناء السياسيين وأكثر من نصف أحكام الإعدام في البلاد بحسب منظمات كردية حقوقية معنية.

الفصائل العسكرية والسياسية وموازين القوى

تتسم المعارضة الكردية الإيرانية بالتعدد الإيديولوجي وخبرة الحرب غير النظامية، وتملك قوات دفاع ذاتي منتشرة قرب الحدود بين كردستان العراق وإيران.

ولدى الحركة شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية وجماعات ضغط ومكاتب تمثيلية في أوروبا والولايات المتحدة، مما يمنحها ثقلاً استراتيجياً في أي سيناريو مستقبلي لتغيير النظام في طهران.

أبرز الأحزاب الكردية في إيران

الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) تأسس عام 1945 في جمهورية مهاباد، وهو الحزب الأكبر والأقدم وله قوات تسمى البيشمركة، ويتبنى غالباً توجهاً ديمقراطياً فيدرالياً لإيران، ويقوده مصطفى هجري وتتمتع شبكته الداخلية بنفوذ واسع.

حزب كومالا (Komala) تأسس عام 1969 وتبنّى اتجاهاً يسارياً واشتراكياً، وانقسم إلى أجنحة أبرزها بقيادة عبد الله مهتدي، ويمتلك أيضاً قوات بيشمركة وتتركز قاعدته في مناطق سنندج ومريوان.

حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) نشأ عام 2004، وتصفه الولايات المتحدة بأنه جناح من منظومة PKK، بينما ينفي الحزب أي تشابك مع قوى خارجية، ويؤكد أنه حركة سياسية مستقلة تسعى إلى مشروع ديمقراطي، وتُركز قياداته على شرق كردستان وتدرب مقاتليها على حرب الجبال وتضم نسبة كبيرة من المقاتلات النسوة.

حزب حرية كردستان (PAK) حزب قومي ذو نزعة عسكرية، بقيادة حسين يزدان، واكسب خبرة قتالية حديثة وتلقى تدريبات غربية خلال مشاركته في الحرب ضد تنظيم داعش بالعراق؛ وتقرير المجلس الأطلسي يشير إلى نشاط عسكري ملحوظ له قبل اندلاع الحرب، مع مقراته في إقليم كردستان العراق.

تحالف ما قبل الحرب

في 22 فبراير شكلت خمسة أحزاب كردية إيرانية معارضة ما سمي بـ”ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”، وهو تحالف يضم فصائل ذات توجهات أيديولوجية متفاوتة، ويهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وتحقيق حق تقرير المصير للكرد وتأسيس حكم ديمقراطي في روژهلات كردستان.

ويرى القادة أن هدف الانفصال ليس مطروحاً كخيار نهائي، بل إقامة حكم اتحادي أو نموذج مشابه لحكم إقليم كردستان العراق، مع أن التوافق النهائي بشأن شكل الحكم داخل إيران ليس محدداً تماماً حتى الآن.

وفي حديثه لـ”الشرق” أكد ريوار آبدانان أن التحالف يسعى لبناء مؤسسات وهيئات مشتركة تنسق العمل العسكري والسياسي، بينما قال مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل إن القرار الاستراتيجي الأهم سيصدر عن قيادة ائتلاف الأحزاب ولن يتخذ دون تفاعل الواقع الميداني مع ضعف النظام.

إقليم كردستان العراق: جغرافيا اللجوء والقيود

بدأ النزوح الإيراني إلى إقليم كردستان العراق عقب الثورة 1979، واستقر قادته ومعسكرات حزب الديمقراطي الكردستاني في كويسنجق أربيل بينما استقرت قوات كومالا في زركويز السليمانية واستقر PJAK في جبال قنديل وبالقرب من الحدود، أما PAK فكان مقرّه عند أطراف أربيل وكركوك.

في أعوام 2023 و2024، وبضغط إيران من القصف على مواقع كردية، وقّعت بغداد وطهران اتفاقاً أمنياً يلزم الإقليم بنزع السلاح الثقيلة من أحزاب PDKI وكومالا ونقلهم إلى مخيمات داخلية تحت إشراف الأمم المتحدة.

احتمالات التدخل: هل يتحولون إلى “قوات برية” لأميركا؟

في حين يواصل الأميركيون والإسرائيليون الضغط على فكرة إشراك الأكراد الإيرانيين، أكد عضو المجلس التنفيذي لحزب الحياة الحرة PJAK أن الحزب ليس في محور أو تحالف مع أي دولة، وأنه يمثل قوة سياسية مستقلة ولديه مشروع واضح للتغيير الديمقراطي دون ارتباطات خارجية، مع الإشارة إلى ضرورة علاقات دبلوماسية مع الأطراف كافة بما يخدم المشروع.

وأشار محمد نظيف قادري، عضو مركز العلاقات في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، إلى أن العلاقات الدولية مبنية على المصالح والقوة وليست بمثابة اتفاقات ملزمة، مؤكداً أن الحركة الكردية مسؤولة أمام شعبها وأن الحرب الحالية ليست بإرادتها وليست مرتبطة بقضية كردية فقط، وإن كانت الكرد تقرأ الوضع وتستفيد منه بما يخدم مصالحها.

ومن جهة أخرى، يرى بهمن حسن أن هناك استعدادات فعلية وتحركات على الأرض من المعارضة الكردية لإسقاط النظام شرطاً لضمانات أميركية وحلفائها، مع أن بعض المراقبين يرون أن الحديث عن تدخل عسكري مباشر لا يزال مبالغاً فيه، وأن الفصائل لا تزال حذرة من الاعتماد الكامل على قوى خارجية.

ويؤكد نواف خليل أن الاتصالات المستمرة مع واشنطن مذكورة لدى الأحزاب، لكن لا توجد نية واضحة للتدخل العسكري المباشر بالشكل الذي تتوقعه بعض وسائل الإعلام، وأن القيادات الكردية تقبل الحوار وتحديد آليات التنسيق بشرط أن يخدم مصالح الشعب الكردي وحمايته في إطار مستقل وناضج سياسياً.

رؤية مستقبلية

قال محمد نظيف قادري إن أطراف الأحزاب الكردية الإيرانية تواصل حوارها مع المعارضة الإيرانية وتعمل مع مؤسسات مثل مؤتمر القوميات الإيرانية الفيدرالية وتحالفات أخرى، وتعتقد أن الجماهير ومنظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دوراً أكبر في نضال إسقاط النظام.

ويرى سوران بالاني أن النخبة السياسية الكردية ستلعب دوراً بارزاً في أي عملية تغيير وتبني نموذجاً إداريّاً ينسجم مع الحفاظ على علاقات جيدة مع باقي القوميات الإيرانية، معتبرًا أن التنوع داخل الأحزاب صحة وميزة تدعم تجربتهم لاحقاً في إيران، مع توقع أن يعتبر الأكراد في ظل ما يتوهم بتداعيات النظام الإيراني فرصة للوصول إلى حكم فيدرالي غير مركزي يشبه نموذج إقليم كردستان العراق.

ويضيف بهمن حسن أن الأكراد يملكون وزناً استراتيجياً يسمح لهم بتحرير مدنهم بدعم شعبي واسع، وأن الوقت قد يحين للتحرك، مع استبعاد اندلاع حرب كردية-كردية داخل إيران، وأن حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال إذا تحققت الحقوق والعيش في ظل نظام ديمقراطي يحافظ على السلم والحقوق.

مقالات ذات صلة