شهدت دير الزور منذ الأيام الأولى للثورة السورية تحولات حاسمة: لم تكن المدينة مجرد مرور في مسار الأحداث، بل كانت إحدى ساحاتها الأكثر اشتعالاً وتأثيراً. منذ بداياتها تحولت شوارعها وأحياؤها إلى ميدان احتجاجات كبرى، قبل أن يجعلها التحول إلى ساحة صراعٍ ومواجهة مع النظام البائد.
شرارة الثورة والمظاهرات
يروي الكاتب والصحفي فراس علاوي أن الأجواء كانت مهيأة للانفجار، ومع انطلاق مظاهرات درعا خرج أهل دير الزور في 25 آذار 2011 من عدة مساجد أبرزها عثمان بن عفان وجامع الصفا، وسرعان ما اتسعت المظاهرات إلى الريف وبلغت ذروتها في الجمعة العظيمة حين سيطر المحتجون على ساحة الباسل وحطموا تمثال باسل الأسد.
وصف علاوي مظاهرات دير الزور بأنها من الأكبر في سوريا، إذ شارك فيها عشرات وربما مئات الآلاف في جمعات مثل أحفاد خالد وسقوط الشرعية، كما شهدت المدينة بدايات الاعتصامات في مسجد عثمان بن عفان ودوار المدلجي.
تصاعد العنف
ومع تصاعد الثورة تعرضت المدينة وريفها لحملات عسكرية عنيفة أسفرت عن سقوط أول شهيد، الطفل معاذ الركاض، في جمعة أطفال الحرية في يونيو 2011، وتوالت الأعداد، كما شهدت دير الزور مجازر بارزة مثل الجورة والقصور في أيلول 2012، ومجزرة المراقبين العرب في كانون الثاني 2012، إضافة إلى حصار خانق فرضه النظام.
المشهد العسكري
بدأ الجيش السوري الحر نشاطه مبكراً، وأُعلن تشكيل المجلس العسكري مطلع 2012، لتشهد المحافظة مواجهات كبرى أبرزها ملحمة الرصافة في 18 آذار 2012، ثم إسقاط أول طائرة ميغ في موحسن في آب من العام نفسه، وبحلول 2013 كانت المعارضة قد سيطرت على أكثر من 90 بالمئة من المحافظة.
مرحلة داعش وتقاسم النفوذ
لكن هذا الواقع تغيّر مع سيطرة تنظيم داعش منتصف 2014 حتى 2017، قبل أن تنقسم السيطرة بين النظام المدعوم روسياً غرب الفرات، و”قسد” المدعومة أميركياً شرق النهر، وهو وضع استمر حتى سقوط النظام في كانون الأول 2024.
زخم ثوري مبكر
من جهته، يؤكد الصحفي والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أحمد الجنيد أن دير الزور التحقت مبكراً بالثورة وشهدت زخماً كبيراً، مشيراً إلى أنها نالت نصيبها من قمع النظام وأجهزته، ومرت بمراحل معقدة، أبرزها مجزرة الجورة والقصور، ويصف الفترة بين 2014 و2017 بأنها الأكثر قسوة مع سيطرة داعش والحصار الخانق على المدنيين.
تضحيات دير الزور
ويشير الجنيد إلى أن تعاقب السيطرة أرهق المدينة، التي قدمت خيرة شبابها وبرز منها رموز عديدة مثل خليل بورداني ومحمد فياض العسكر “شمس الدير”، فيما تعرضت لدمار تجاوز 80 بالمئة من بنيتها، ولم يكن الريف في حال أفضل.
وتعكس هذه الشهادات صورة مدينة لم تكن يوماً على هامش الأحداث، بل كانت حاضرة في كل مراحل الثورة، من الاحتجاج السلمي إلى المواجهة العسكرية، ومن الأمل بالنصر إلى سنوات القهر والدمار. وبينما تختزن الذاكرة الجمعية لأهلها حجم التضحيات، يبقى واقعها شاهداً على كلفة الصراع وعلى قدرة مدينة أنهكها الخراب أن تتمسك بما تبقى من إرادة الحياة، بانتظار مرحلة تعيد إليها أمنها واستقرارها وكرامتها.







