رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

معركة الكرامة كما تروى في سردية الأردنيين

شارك

شكلت معركة الكرامة ركيزة من روايات التاريخ الأردني الحديث، وأصبحت من أعمدة السردية الوطنية المرتبطة بفكرة الإرادة والنهوض والتغلب على العجز، وانعكس ذلك فخرًا واعتزازًا على الموروث الثقافي الشعبي الأردني، فثبُتت في ذاكرة الأردنيين كحدث يعبر عن قدرة الدولة على رص جبهتها الداخلية رغم قلة الموارد، ويعبر عن قدرة قواتها المسلحة على إعادة تنظيم صفوفها رغم الكبوات والنكبات.

عمل الجيش العربي الأردني بعد حرب حزيران 1967 على إعادة تنظيم قواته المنسحبة من الضفة الغربية، ورفع معنويات الجنود وتقوية الجبهة الداخلية، وأدار معركة استنزاف على طول واجهته الغربية، فكان في هذه المعركة كوكبة من الشهداء، أبرزهم قائد كتيبة الحسين الثانية الرائد مازن كريشان وستة من زملائه، حيث استشهدوا في 15 شباط 1968، وهو اليوم الذي اختاره جلالة الملك لاحقاً يوماً للوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى.

رد العدو الإسرائيلي على حرب الاستنزاف في 21 آذار 1968 بهجوم بري وجوي على الواجهة الغربية الأردنية من غور الصافي جنوباً إلى دير علا شمالاً، وعلى ثلاث مقتربات هي: الصافي، العدسية، والعارضة. هدفت خطة العدو إلى فرض واقع جديد عبر تدمير وحدات وتشكيلات الجيش الأردني في الأغوار وعلى السفوح، ثم التقدم إلى جبال البلقاء لتهديد مركز الثقل الاستراتيجي في عمان.

استشعرت الاستخبارات الأردنية نوايا وتحضيرات العدو وتحديد ساعة الصفر للعدوان، فمكنت القيادة العامة من المبادرة بدفع وحداتها وتشكيلاتها إلى الأمام وفي الخنادق، فشكلت القيادة مجموعات قتال صغيرة تختفي في الأودية والمزارع لمباغتة طلائع العدو، وزودت هذه المجموعات بمدافع مضادة للدبابات محمولة على الكتف، ما مكن الجنود من مواجهة الدبابات الحديثة، كما دفع بضباط رصد المدفعية إلى الأمام لمواجهة طلائع العدو وتوجيه نيران المدفعية نحوها.

سطر الجيش العربي ملحمة بطولية في معركة الكرامة، وأثبت الجندي الأردني شجاعة وصمودًا وثباتٍ في وجه عدوٍ تفوق عدداً وعتاداً، فكان eight ثمانية وثمانون شهيداً من قوات المسلحة مفتاح النصر ودليلاً على أن القوة ليست في العدة وحدها وإنما في استعداد الجنود لتقديم النفس للوطن.

قاد الملك الحسين بن طلال المعركة وأظهر الجيش كياناً محترفاً ومهنيّاً وقادرًا على ترجمة القرار السياسي السيادي إلى منجزٍ حقيقي على الأرض، مع جاهزية قتالية عالية وتنسيق دقيق بين القيادة والجندي في الميدان.

استحقت معركة الكرامة أن تكون إحدى أعمدة السردية الأردنية، فوجهت الجيش كمؤسسة محترفة وقادرة على حماية الأرض وتحقيق السيادة، وبقيت قيم الكرامة نهجاً يردع التراجع والتفريط بالحقوق، وتجلّى ذلك في أصداء وطنية تتحدث عن الإرادة والتضحية، كما حُفِظ اسم شهيد الكرامة خضر شكري يعقوب منقوشاً في أسماء الشوارع والمنشآت وبقلوب الأردنيين.

وفي نهاية المطاف ستظل معركة الكرامة حاضرة كلحظة وعي تاريخي نستعيد فيها الماضي لتقوية المستقبل على أسس من الشرعية والحكمة والتضحية، وقوامها وحدة الصف والقيادة الهاشمية وصلابة الجيش، وتظل ذكرى الكرامة مصدر فخر ونصر يتجدد بالإيمان بالله وبالوطن وبالملك.

مقالات ذات صلة