رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

رأس العين: من وفرة الينابيع إلى ذاكرةٍ تختصر تاريخ الحضارات

شارك

أصل المدينة وتاريخها

تقف مدينة رأس العين، شمال محافظة الحسكة وعلى الحدود السورية التركية، شاهدةً على تاريخ طويل من الازدهار والتحولات، حيث تلتقي وفرة المياه مع تنوع النسيج الاجتماعي لتكوِّن مدينةً كانت يوماً من أغنى مناطق الجزيرة السورية بالينابيع والعيون.

تتجاوز رأس العين كونها مجرد مدينة حدودية، إذ تشكل موقعها واستقرارها المائي محور جذب للحضارات عبر العصور.

ينبع من محيطها نهر الخابور وتنتشر في محيطها مئات الينابيع طالما تغنّى بها المؤرخون.

يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان صفاء مياهها، مشيراً إلى أن الخليفة المتوكل بذل عشرة آلاف درهم، فالتقطها أهل المدينة من قاع الماء دون أن يفقدوا منها شيئاً.

وتؤكد دراسات الباحث الألماني ماكس فون أوبنهايم في أعماله حول موقع تل حلف أهمية المنطقة كمركز حضاري قديم ارتبط بوفرة المياه واستقرار الإنسان.

حضارات متعاقبة تعكس اسم المدينة

تعكس المدينة بأسمائها المختلفة مثل غوزانا ورش عينا وعين الوردة وقطف الزهور وفرة المياه وجمال الطبيعة، وهو ما تشير إليه دراسات تاريخية حول منطقة الجزيرة السورية.

وتشهد المنطقة تعاقب حضارات كبرى مثل الحثيين والميتانيين والآشوريين والآراميين، وكان للحضارة الآشورية حضور بارز قبل أن تنهار على يد الدولة الفارسية.

وتبقى آثار تلك الحضارات قائمة، خاصة في تل حلف المجاورة، التي تعد من أهم المواقع الأثرية في شمال سوريا، حيث وجدت تماثيل ومنازل وألواح توثق الحياة السياسية والثقافية في تلك العصور وفق تقارير التنقيبات الأثرية التي قادها أوبنهايم في مطلع القرن العشرين.

وتربط تل حلف بالحضارة الحثية، إذ كانت لفترة طويلة مركزاً مهماً في المنطقة، كما تتعرض المدينة لدمار متكرر نتيجة الحروب، ومنها ما أحدثه القائد الفارسي ماهان في عامي 578 و580 ميلادية، وفق ما تذكره المصادر التاريخية، ومنها دراسة التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية للباحث محمد جمال باروت.

رأس العين والفتوحات الإسلامية

يشير الروائي خلف الساير إلى أن مدينة رأس العين تواجه مقاومة شديدة خلال الفتوحات الإسلامية، موضحاً أن في عام 17 هـ توجه جيش المسلمين بقيادة عياض بن غنم لفتح الجزيرة، وتمكنت من السيطرة على مدن عدة، مثل الرها وديار بكر، إلا أن رأس العين استعصت على الفتح بسبب تحصيناتها ومقاومة أهلها.

يُفتح الطريق أمامها في العام التالي 18 هـ عبر خطة تشبه حصان طروادة، لتصبح بعدها مركزاً تجارياً مهماً ومحطة للقوافل في العصر العباسي، كما كانت مصيفاً للخليفة المتوكل.

وتنتقل المدينة بين حكم الأمويين والعباسيين والحمدانيين والأيوبيين، وتتعرض للاحتلال خلال حروب الفرنجة قبل تحريرها، ثم تتعرض لدمار واسع خلال الغزو المغولي، حيث طال الخراب الحجر والبشر، ولم ينجُ منه إلا من احتمى بالجبال.

عيون الماء.. من الغزارة إلى الجفاف

تشتهر رأس العين بأنها مدينة العيون، إذ تُنسب إليها مئات العيون، وتبلغ أعدادها بين 360 و365 عيناً بعدد أيام السنة، وتبقى مياهها شديدة الصفاء.

يورد الروائي أبرز هذه الينابيع مثل عين الجاموس المصدر الرئيس لتغذية نهر الخابور، وبجانبها عين بانوس وعين الفانوس عميقتان صافيتان متلاصقتان، وتوجد عين فوارة تعرف بالمسبح الفرنسي، وعين الحصان جنوب المدينة التي كانت أشبه ببحيرة عين الزرقا، وتتشكل أخدوداً عميقاً باتجاه الخابور.

لكن هذه الصورة لم تبقَ كما هي، إذ جفت معظم هذه الينابيع بسبب الاستهلاك المفرط وموجات الجفاف، وتبقت آثار تشير إلى ما كانت عليه المدينة من وفرة مائية.

نسيج اجتماعي متنوع وتعايش مستمر

تُعرف رأس العين بتنوعها الاجتماعي وتعايش مكوّناتها، ويؤكد المؤرخ أن هذا التنوع شكّل نموذجاً للتعايش بين أديان وقوميات مختلفة، حيث يعيش السكان ضمن بيئة يحترم فيها كل مكوّن عادات وتقاليد الآخر.

تبقى رأس العين مدينة تختصر حكاية المكان السوري، حيث تلتقي تاريخها بالحاضر وتبقى الذاكرة حيّة حتى حين تجفّ المياه.

مقالات ذات صلة