رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

معركة فتح هرمز: سيناريوهات وفواتير تحرير المضيق بالقوة

شارك

تشهد منطقة الخليج توتراً متصاعداً حول مضيق هرمز بوصفه الممر الحيوي لنقل النفط في المنطقة، حيث تمر نحو 90% من صادرات إيران النفطية عبر المضيق ونحو 20% من إنتاج النفط العالمي يعتمد على المرور فيه. وتستخدم إيران المضيق كورقة ضغط رئيسية لإجبار خصومها على التراجع وفرض ضغوط اقتصادية وسياسية عليها، وتؤكد عزمها خنق الممر إذا استمر الضغط.

في المقابل يسعى الرئيس الأميركي للرد على ارتفاع أسعار النفط من خلال تزايد الضربات العسكرية لكبح الأسعار والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الأميركي، فيما يراقب العالم موقف واشنطن من حملة عسكرية محتملة لفتح المضيق.

رفضت دول أوروبية وغربية فكرة المساهمة في حملة عسكرية دولية لفتح المضيق بالقوة، ورفضت كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية المشاركة، بينما تدرس الإمارات خيار الانضمام إلى تحالف لاستعادة حرية الملاحة، وتعلن عدة دول استعدادها للمساهمة في جهود تأمين المرور عبر المضيق.

الجغرافيا وتحدي الحركة البحرية

يبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة نحو 32 كيلومتراً، فيما يتسع في نقاط أخرى إلى نحو 95 كيلومتراً. ومسافة الدخول والخروج من أضيق جزءيهما لا تتجاوز نحو ثلاثة كيلومترات في الاتجاهين، ما يجعل الإغلاق الكامل يتطلب عملاً عسكرياً قاسياً. قبل الحرب كانت العبور يستوعب أكثر من 20 مليون برميل من النفط والوقود يومياً، أما الآن فبسبب ارتفاع مخاطر العبور وتكاليف التأمين تعرّض عشرات الناقلات للخطر وتوقفت حركة المرور بشكل ملحوظ. وتصدر الدول المطلة على الخليج نفطها عبر هذا المضيق، بما فيها إيران، كما أن المضيق يعد منفذاً رئيسياً لصادرات قطر من الغاز المسال بنحو 80 مليون طن في عام 2025.

أوراق إيران الرخيصة تغلق المضيق

تملك إيران قطاعاً عسكرياً منتشراً، وتعمل صناعتها الدفاعية على بناء وتشغيل مجموعة واسعة من الأسلحة ذات المديات المختلفة مع ترجيح مستمر بين خفض التكلفة ورفع التقنية. ورغم تأثير العقوبات الدولية القاسية على اقتصادها، تعتمد طهران على قدراتها في صواريخ منخفضة التكلفة ومسيّرات يمكنها استهداف السفن في المضيق مع وجود أعداد كبيرة من المدفعية وقطع بحرية صغيرة. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 5000 إلى 6000 لغَم بحري من أنواع مختلفة، وهو ما يجعل تطهير الممر من الألغام أمراً صعباً ومعقداً، خصوصاً مع صعوبة اكتشافها وتطهيرها بسرعة.

تمتلك إيران عشرات الزوارق السريعة المسلحة وغواصات صغيرة ومسيّرات بحرية تحت سطح الماء، إضافة إلى مدفعيات وصواريخ. يعتمد الأسلوب الإيراني على عاملين: أولاً الاختناق الجغرافي الطبيعي الذييمثله المضيق، وثانياً قدرة طهران على توليد تهديدات نيرانية كثيفة في عمق جغرافي واسع. وتؤكد المعطيات أن إيران مصممة على سياسة إدارة التدفق عبر التهديد بالإغلاق الجزئي أو الانتقائي، ما يرفع أسعار النفط ويحافظ على القلق في الأسواق العالمية دون إعلان إغلاق كلية للمضيق.

تشير المنظومة الإيرانية إلى استهداف جزر مهمة تقع في محيط المضيق مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وخَرْج، وتطوير قدرات دفاعية مطلة على المضيق تشمل صواريخ سطح-سطح وقوارب مزودة بمدافع ومسيّرات ذات مدى مناسب لاستهداف السفن الكبيرة عند مرورها عبر المسارات الضيقة.

إدارة الخوف والاستفادة من النيران

تسيطر إيران على الجانب الشرقي للمضيق وتغطي سواحلها المتاخمة للخليج حتى المحيط الهندي، مع وجود جزر استراتيجية مثل قشم وطمبرى وطنب وغيرها. تعتمد طهران على أصول بحرية مطلة على المضيق مثل الزوارق المسلحة والغواصات والمسيّرات، إضافة إلى المدفعية والصواريخ. وتستند الاستراتيجية الإيرانية إلى تقليل الثقة في قدرة الطرف الآخر على ضمان مرور السفن، مع إبقاء احتمالات الإغلاق مفتوحة كأداة للضغط على الأسواق الدولية ورفع أسعار النفط.

تؤكد الاتجاهات الميدانية أن إيران تواصل اعتماد فكرة “إدارة التدفق” عبر التهديد بالإغلاق الجزئي وتنسيق مرور السفن مع عناصر القوة الإيرانية، وهو نهج يهدف إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة مع تفادي الدخول في حرب مفتوحة واسعة النطاق تحقق أهدافها بلا كلفة عالية.

استراتيجية خنق التدفقات في هرمز

تواجه إيران فقداناً لغالبية أصولها البحرية الكبيرة، مثل المدمرات والفرقاطات، بينما تواصل الولايات المتحدة تعزيز أساطيلها في المنطقة بقدرات هجومية ودفاعية متقدمة. لا تسعى إيران لإغلاق كامل للمضيق فحسب، بل تعتمد خيار الإغلاق الانتقائي متعدد الطبقات، وهو مزيج من السماح بمرور محدود لسفن اختيارية مع تحذير الناقلات الكبرى وتهديدها بشكل مستمر، مع الاحتفاظ بأوراقها الأقوى مثل الألغام والاستهداف المباشر في مرحلة لاحقة.

تؤمن إيران طيفاً من القدرات التي تفرض واقعاً معقداً أمام حركة الملاحة، وتبني شبكة من التهديدات تشمل المسيّرات، الرشقات المساحية، الصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية التي يمكن نشرها بطرق متعددة عبر زوارق سريعة أو سفن مدنية موّهمة أو غواصات صغيرة.

أوراق إيران في لعبة هرمز

الاستهداف الجوي عبر المسيّرات يشمل طائرات بدون طيار مثل شاهد 136 وحتيد 101، مع ذخائر جوالة تقطع مسافات متوسطة وتستهدف بنية السفن بشكل مباشر. وتُعد الذخائر الجوالة المرنة رخيصة التكلفة من بين أبرز قدرات إيران لاجتذاب الدفاعات البحرية وتفتيت دفاعاتها.

المدفعية والرشقات المساحية تشكّل ساتراً نارياً يصل إلى مسافات تقارب 80 كيلومتراً، مع إمكانات قيام رشقات مكثفة من مسافات تتراوح بين 30 و75 كيلومتراً حول المضيق، وتوسيع مدى تغطيتها عبر أنظمة موجهة بدقة أعلى من المدفعية التقليدية.

للصواريخ المضادة للسفن قدرة على تشكيل مظلة دفاعية وتوجيه الضربات نحو السفن المرافقة والقوافل والاشتباك مع مصادر النيران في آن واحد، مع الاعتماد على بطء حركة السفن في الممرات الضيقة لاستغلال المدى والاستهداف.

الألغام البحرية هي الركن الأكثر صعوبة في المواجهة، فهناك ألغام تقليدية مثبتة في القاع أو عائمة وأخرى ذكية تحمل بنك أهداف مبرمجاً مسبقاً. تستطيع إيران زرع الألغام عبر قوارب سريعة أو سفن مدنية مموّهة أو غواصات صغيرة، ما يجعل التطهير أمراً معقداً ويتطلب وقتاً طويلاً وتكنولوجيا متقدمة.

يؤكد خبراء عسكريون أن الألغام تمثل سلاحاً رخيصاً ومتوفراً يشكل تهديداً مستمراً حتى لو أعلن المضيق خالياً من الألغام يوماً، فقد تظهر عشرات الألغام لاحقاً نتيجة تكرار التلغيم وتطور تقنيات التفخيخ.

المواجهة المحتملة ومصير الجزيرة

تشير التقديرات إلى أن فتح المضيق سيستلزم حملة عسكرية مركّزة للسيطرة على الشريط الساحلي وزرع أقدام جوية وميدانية تتجاوز مجرد فتح الممر. قد يترافق ذلك مع قصف مكثف وتدمير وسائل الدفاع البحرية ومراكز الإمداد والقدرات الإيرانية في الجزر القريبة من المضيق، مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وقشم، مع احتمال تفكيك أو تنازل عن أجزاء من جزر بعينها مقابل فتح المضيق بشكل دائم.

من جهة أخرى، يدرس الأميركيون خيارات برية محدودة قد تشمل السيطرة على جزيرتي خرج وطمبرى كقوة تفاوضية مقابل فتح المضيق، مع الحفاظ على وجود عسكري على الجزر الإيرانية كورقة ضغط إضافية. مع ذلك، قد يحول وجود قوات برية على تلك الجزر إلى أهداف هجومية محتملة للطرف الآخر في حال توسع النزاع على الأرض، ما يجعل الخيار البري محدوداً ومكلفاً.

هل تستطيع واشنطن فتح المضيق وحدها؟

تزخر الولايات المتحدة بقدرات عسكرية هائلة قد تمكنها من فتح المضيق بمفردها، رغم رفض عدة حلفاءها المشاركة. وتملك واشنطن أُطُر دفاع وهجوم متكاملة، تشمل قاذفات استراتيجية مثل B-52 وB-1 وB-2، ومسيّرات منخفضة التكلفة، ومدمرات من طراز أريليت بيرك يمكنها ضرب أهداف داخل إيران بصواريخ توماهوك، إضافة إلى صواريخ SM-6 وSM-3 وتفكيك الزوارق الهجومية باستخدام صواريخ هاربون. كما تمتلك غواصات هجومية من فئات فيرجينيا ولوس أنجلوس وأوهايو capable بإطلاق توماهوك وتوربيدات MK-48، وتستخدم فرق NAVY SEAL للعمليات الخاصة.

توجد كاسحات ألغام متخصصة من طراز Avenger ومروحيات متقدمة لتطهير المسارات، إضافة إلى نحو نصف الأسطول الأميركي منتشر في الخليج. وتملك الولايات المتحدة قوات تقودها نحو 50 ألف عسكري في المنطقة مع قدرات إغارة واستيلاء محدودة على جزر بعينها، مثل خرج أو طنب الكبرى وأبو موسى وقشم، للسيطرة على المجرى وتحرير حركة المرور.

يؤكد بعض الخبراء أن قرار استخدام القوة لفتح المضيق سيظل محدود النطاق، وربما يسبقها حملة واسعة على مصادر النيران الإيرانية، مع قصف مركّز للمراكز الصاروخية وملاجئ النيران في الجزر القريبة من الممر كمقدمة للسيطرة على الممر.

تجارب سابقة وتداعيات محتملة

تشير أمثلة تاريخية إلى أن إزالة الألغام والتطهير في ممرات مائية كبيرة قد يستغرق أشهرًا طويلة، كما حدث في تطهيرات قناة السويس وقناة الخليج خلال فترات سابقة. ففتح المضيق وتطهيره لا يعني فقط السيطرة العسكرية، بل يشمل استعادة الثقة من جانب مالكي السفن وتوفير حماية دائمة للممر، وهو أمر قد يتطلب جهدًا طويل الأمد وتعاوناً دولياً واسعاً.

شبح أزمة مياه الخليج

تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على تحلية المياه لتأمين احتياجاتها الأساسية، وتنتج منشآت التحلية جزءاً رئيسياً من المياه العذبة في المنطقة. أي تصعيد عسكري واسع في المضيق قد يعرّض بنية التحلية للخطر على جانبي الخليج، ما يضيف بعداً إنسانياً حساساً لأي عمل عسكري. وتؤثر الأزمة على نحو 60 مليون شخص يعتمدون على التحلية، بما في ذلك أعداد كبيرة في الدول الغنية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهو ما يجعل التهديد للماء حقيقة مضافة للنزاع في المضيق.

مقالات ذات صلة