الضربات الجوية في الحبانية وردة الفعل الأولى
شنت الولايات المتحدة ضربات جوية عنيفة استهدفت الثلاثاء الماضي موقعاً تابعاً للحشد الشعبي في منطقة الحبانية بمحافظة الأنبار غرب العراق، ما أسفر عن مقتل 15 مقاتلاً بينهم قائد عمليات الحشد الشعبي سعد البعيجي وإصابة 11 آخرين.
ردود الفعل الرسمية العراقية والجهود الدبلوماسية
استدعت بغداد القائم بالأعمال الأميركي والسفير الإيراني في العراق للاحتجاج على الضربات، وفي اليوم نفسه أعلنت الحكومة أنها ستقدم شكوى رسمية مدعومة بالوثائق إلى مجلس الأمن الدولي معتبرة أن العمليات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق، خصوصاً مع مقتل 7 جنود من الجيش إضافة إلى مقاتلي الحشد الشعبي. بعض المراقبين عدّوا خلال ذلك أن التطورات قد تدفع العراق إلى دخول مرحلة حرب مع الولايات المتحدة.
ردت واشنطن عبر قنواتها الإعلامية بأن الولايات المتحدة لا تستهدف الجيش العراقي وطلبت معلومات عن مواقع قوات الأمن والجيش لمنع الاستهداف، لكنها قالت إنها لم تتسلم مثل هذه المعلومات من الحكومة العراقية. في المقابل أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي أن جميع القوى الأمنية بما فيها الحشد الشعبي ستعمل بمبدأ الدفاع عن النفس وحق الرد، سواء عبر الطائرات الحربية أو المسيّرات.
تداعيات القرار على رئيس الحكومة وتقدير الموقف المستقبلي
أكد مصدر مقرب من الحكومة أن منح الضوء الأخضر للمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة جرى تحت ضغط من قادة فصائل مسلحة ومستشارين إيرانيين في بغداد، وأن هذه الخطوة قد تؤثر في مستقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بعد انتهاء الحرب، لأن واشنطن لن تسمح بتنامي نفوذه. وأضاف المصدر أن السوداني لم يكن يرغب في إعلان مواجهة مباشرة، لكن لقاءات متتالية دفعت إلى اتخاذ القرار، كما أن صمت الحكومة عن مقتل الجنود والمقاتلين عندها كان يرى أنه مشاركة في استمرارها.
يرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل إجراءاً دبلوماسياً بطبيعته من قبل الحكومة العراقية، لكنها لن تغيّر موازين الأرض نظراً لغياب قدرة فعلية على مواجهة الطرف الأقوى. يوضح المحلل السياسي مكرم القيسي أن السماح للجهات الأمنية بالرد يهدف إلى تخفيف الخسائر، ولكنه يعكس إدراكاً بأن القرار الدولي أصبح يضغط لإنهاء نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة. كما يرى القيسي أن بغداد تتبادل الأواصر مع واشنطن بشكل بروتوكولي بينما الحقيقة أنها غير قادرة على تجنيب العراق تبعات الحرب، فيما يرى الباحث زياد العرار أن الحرب الأميركية-الإيرانية تعقّدت العلاقات وأي خطوات لا تقطع طريق الحرب بشكل حاسم لن توقف التصعيد، إذ تتمسك فصائل المسلحة باستمرار قصف المواقع الأميركية في العراق وتلجأ واشنطن إلى مزيد من الضربات رداً على ذلك.
تصعيد الضربات الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة
بدأت الضربات الأمريكية في مطلع عام 2026 باستهداف مواقع فصائل في ديالى ونينوى وكركوك وصلاح الدين وواسط، ما أدى إلى مقتل 27 من مقاتلي الحشد وإصابة 50 آخرين. ثم تواصل القصف على اللواء 19 في الأنبار، مما أدى إلى سقوط قتلى من عناصر الحشد. في فبراير، رُصد قصف لمواقع الحشد في جرف الصخر بمحافظة بابل وعكاشات في الأنبار عبر اللواء 19، أسفر عن قتلى وجرحى. وفي منتصف مارس، تعرّضت مواقع الحشد في جرف الصخر لثلاث ضربات جوية، تلتها غارة استهدفت المركز الدبلوماسي للسفارة الأميركية، ثم أعلنت هيئة الحشد لاحقاً غارة على اللواء 15 ضمن قيادة عمليات شمال وشرق دجلة والمركز الطبي التابع لقيادة عمليات الجزيرة في جرف الصخر، ما أدى إلى إصابة أحد منتسبي الحشد.
وفي صلاح الدين نفّذت الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع الحشد في مدينة بيجي أسفرت عن إصابات، وتُوّج ذلك بضربة أخيرة على الحبانية أودت بحياة 15 من مقاتلي الحشد.
تقييمات حول دخول العراق الحرب رسمياً
يوضح أحد كبار الضباط المتقاعدين أن إعطاء الضوء الأخضر للردود لن يغير قواعد اللعبة على الأرض، فالحشد يفتقر إلى أسلحة متطورة ويعتمد غالباً على الطائرات المسيرة ولا يمتلك مضادات جوية حديثة، وهو ما يجعل الرد محدوداً. ويعتبر أن إعلان الحكومة عن حق الدفاع عن النفس والدخول في مواجهة مباشرة مع الأميركيين يعتبر إعلاناً رسمياً بدخول العراق الحرب، رغم أن الحكومة تدرك أن المعركة غير متكافئة من حيث القوة والتجهيز. كما يرى بعض المحللين أن ما يفعله العراق يظل محدوداً في تحقيق هدف كبح التصعيد، وأن الفصائل المسلحة مستمرة في قصف المواقع الأميركية في العراق والولايات المتحدة ستواصل ضرباتها حتى تصل إلى ما تريد من تقويض وجود تلك الفصائل، وهو ما يجعل المشهد العسكري العام مشحوناً بين استهداف وفعل رد من الطرفين.







