تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولا في علاقتها مع إيران، فقد بدأ الأمر بتصعيد عسكري إيراني قابلته دول الخليج بدعوات للتهدئة وبحث عن حلول لواحدة من أسوأ أزمات العصر، وفي هذا الشهر كُشِفت تفاصيل عن تدخلات أخرى لطهران عبر الحرس الثوري وأذرعه، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان من خلال خلايا ووكلاء وُصِفت بأنها نائمة قبل أن تعود للتفعيل.
أعلنت الداخلية الكويتية عن إحباط مخطط إرهابي وضبط شبكة مكونة من 5 مواطنين وشخص غير كويتي، مع تحديد 14 متهماً هارباً خارج البلاد، من بينهم كويتيون وآخرون من جنسيات مختلفة، من بينها الإيرانية واللبنانية. تكشف التحقيقات عن ارتباط المتهمين بتنظيم حزب الله، وكانوا يخططون لتنفيذ عمليات اغتيال لمسؤولين وتجنيد أشخاص لتنفيذ هذه المهام، بعد تلقي تدريبات عسكرية خارج البلاد.
أشكال الخلايا الإيرانية في الخليج
تعيد هذه القضية إلى الواجهة ذاكرة الأمن في الكويت ودول خليجية أخرى، وتفضي إلى فهم أن التحول ليس مجرد تصعيد عسكري تقليدي بل تفعيل لما يُعرف بتصدير الاضطراب لاستهداف البنية التحتية الأمنية والاقتصادية من الداخل. فبينما كانت المنطقة تترقب تداعيات الحرب الإيرانية، كشفت الأجهزة الأمنية في أربع دول خليجية عن وجود شبكات تخريبية ومالية تعمل تحت غطاء مدني وتجاري.
وصف المحلل والباحث السياسي الكويتي الدكتور فهد الشليمي هذه الشبكات بأنها خلايا نائمة تعمل بأسلوب العمل السري، وتقوم على أيديولوجيا موحدة وتُجنَّد غالباً داخل مراكز دينية أو تجمعات كبيرة، وتعمل تحت غطاء شركات ومؤسسات مثل المطاعم والشركات الاستثمارية وإدارة الأعمال. كما تشمل مهامها إرسال معلومات وتنفيذ عمليات خاصة في مراحل لاحقة قد تصل إلى التخريب أو الإرهاب.
وتبين أن التحول ليس مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل هو تفعيل لـتصدير الاضطراب لاستهداف البنية التحتية الأمنية والاقتصادية للخليج من الداخل. وتؤكد التحليلات أن هذه الخلايا ترتبط بنية إيرانية وتستغل أحداثاً وظروف معينة لتنشط من جديد، بما في ذلك التجنيد عبر أجواء دينية ومراكز تجمع كبيرة.
ومع أن التحركات الخليجية اتجهت لمنع الحرب وتحييد التدخلات، فإن إيران وضعت خطوات أخرى عبر انتقال خلايا حزب الله والوحدات المرتبطة بالحرس الثوري من حالة الكمون إلى التفعيل بهدف تشتيت الجهد الدفاعي وتقويض الاستقرار المالي. ويشير المختص بالدراسات الأمنية الدكتور إيلي الهندي إلى أن الاختلاف الجوهري بين إيران ودول الخليج في العقيدة والخيارات السياسية والتوجهات الاقتصادية يخلق مسافة ضاغطة تؤثر في العلاقات وتدفع لتصعيد تدريجي.
وتشير التقديرات إلى أن نهاية مرحلة من التوازن في العلاقات الخليجية مع إيران تتطلب رصداً حازماً وتعاوناً أوسع لكشف الشبكات وتحييد مخاطرها، خصوصاً حين تفتح الأجندة الإيرانية أبواباً لاستغلال الدين والهوية لتغذية العنف والتطرف.
في خطوة بارزة، أعلنت قطر عن ضبط خليتين تابعتين للحرس الثوري الإيراني، وهو ما شكل منعطفاً في العلاقات مع إيران وأثار مخاوف من اختراق أمني يطال منشآت عسكرية وصناعية. وفي البحرين كشفت السلطات عن خلية تعمل كوحدة استطلاع ميدانية للحرس الثوري تركّز على تصوير مواقع دفاعية ومنشآت طاقة، واستخدمت برامج تشفير متطورة لإرسال بيانات حية تسهم في تصحيح مسارات الصواريخ والمسيرات لضمان إصابة أهدافها.
يؤكد الشليمي أن نمط تجنيد الأفراد في هذه الحالات واضح ومتكرر، ويستغل قضايا أيديولوجية وشعوراً عاطفياً يقوده إلى الانخراط في أجندة محددة، خصوصاً خلال المواسم الدينية حيث تتجمع الناس وتزداد حماستهم. كما كشفت الكويت عن ضبط شبكات مرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله تعمل تحت غطاء مدني وتجاري، وتستخدم تقنيات تعود إلى زمن الحرب الباردة مثل نظام مورس للاتصالات المشفرة، باعتقادها أن صعوبة تتبُّعها تكفل لها هامشاً أوسع للنشاط، في حين يجري توجيه خطابها الفكري نحو مواجهة إسرائيل وتقديم أتباعه كأنهم وحدهم على الحق وتغرس فيهم أن هذه الأيديولوجيا هي الإسلامية العربية التي تحرر القدس وتواجه إسرائيل بدون الالتفات إلى مصالح الدولة التي ينتمون إليها.
الإمارات.. حماية استباقية وتعزيز للسلامة المالية
بينما ركزت خلايا الخليج على التخريب الأمني المباشر، كشفت عملية الإمارات عن استراتيجية إيرانية بالشراكة مع حزب الله تستهدف اختراق الاقتصاد. واجهت الإمارات هذه المحاولات بسلسلة تشريعات وإجراءات رقابية صارمة، مثل قانون مكافحة غسل الأموال الجديد الذي يوسّع نطاق الجرائم المالية ليشمل تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وأصبح المال غير المشروع دليلاً يثبت وجود المخطط ويغلق الثغرات التي كان يلجأ إليها وكلاء حزب الله.
يوضح الدكتور الهندي أن الإمارات تسعى إلى توازن دقيق بين توفير بيئة مرنة لتأسيس المؤسسات المالية، وبين فرض رقابة صارمة على قضايا تبييض الأموال لضمان الالتزام بالمعايير الدولية. كما تشدد الإمارات على مراقبة أي نشاط لجماعات مرتبطة بالإسلام السياسي، سواء كان سنيّاً أو شيعياً، وتعمل بتشدد في أوقات الحرب والأزمات على تعزيز الرقابة الأمنية والمالية. وتبرز أدوار جديدة تمثل مصادر تمويل بديلة عند ضعف الموارد، حيث ظهرت تجارة المخدرات كأداة رئيسية خلال الحرب السورية، مع مصانع كبتاغون في سوريا وتوريدها إلى لبنان والدول العربية وصولاً إلى أميركا اللاتينية عبر فنزويلا وكولومبيا، بهدف ضرب المجتمع ونشر الإدمان بدلاً من مجرد جني الربح المالي.
تظهر الإمارات نجاحاً في نقل المعركة إلى مستوى القضاء على المجموعات في مهدها وتجفيف مصادر التمويل، وهو ما شل حركة الشبكات وأربك خلاياها. كما أثبت التنسيق الاستخباراتي بين العواصم الخليجية أن الأمن القومي لم يعد مفهومًا ضيقاً، وأن منظومة مكافحة غسل الأموال الرقمية لها دور مركزي في تعطيل حركة هذه الشبكات. وبذلك تتجاوز المواجهة الخليجية البعد العسكري لتصبح صراعاً اقتصادياً وتكنولوجياً يهدف إلى عزل الشبكات الإيرانية ووقف مداها العالمي.
تكشف هذه التطورات أن المعركة لم تعد محصورة في حدود المنطقة بل هي معركة متعددة المستويات تشمل الأمن والتكنولوجيا والمال، وأن دول الخليج نجحت عبر آليات قانونية ورقابية متقدمة في وضع حد لطموحات شبكات إيران وحرمانها من الامتداد والتأثير، وهو ما يعزز استقراراً اقتصادياً وأمنياً في المنطقة. وما يزال التعاون الاستخباراتي والرقابي بين العواصم الخليجية محورياً في استدامة هذه النتائج ومواجهة أي تهديدات مستقبلية.







