رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

مرّ شهر على حرب إيران.. من جنى الأرباح ومن دفع الفاتورة حتى الآن؟

شارك

شهدت الأسواق العالمية تغيرات اقتصادية كبيرة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خلفت تأثيرات واسعة في أسواق الطاقة والمعادن النفيسة والعملات والأسمدة والأغذية والنقل والتأمين، وتفرعت آثارها إلى أسواق الأسهم والبنوك وأسواق السلاح وقطاعات صناعية أخرى بدرجات متفاوتة.

الفائزون

ارتفع أداء منتجي النفط والغاز خارج الخليج كأبرز المستفيدين حتى الآن، إذ استفادت شركات البيع خارج المنطقة من غياب تكاليف الإغلاقات أو تعطيل الشحن أو إصلاح الأصول المتضررة في الخليج، مما عزز التدفقات النقدية وامدادات المال إلى هذه الشركات في الشهر الأول من الحرب. كما أشارت تقارير إلى أن أرباح شركات النفط الكبرى قد تكون أفضل من المتوقع في الربع الأول، خاصة أن بعض الشركات الأميركية مثل شيفرون وشل سجلت مراجعات إيجابية لتوقعاتها الربحية وسط ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقارب أو تتجاوز 100 دولار للبرميل. غير أن ذلك لا يعني زيادة فورية في الإنتاج، إذ قال العديد من شركات النفط الصخري الأميركي إنها بحاجة إلى استمرار ارتفاع الأسعار لأكثر من ثلاثة أشهر لتعديل خطط الحفر والإنتاج فعلياً. وفي الوقت نفسه سجلت أسعار الغاز الأوروبية ارتفاعاً حاداً، بدفع من تعطل جزئي في الإنتاج وتشييع الطلب على الإمدادات البديلة، وهو ما عزز من أرباح بعض شركات الغاز والسلع المرتبطة به، بينما تكبدت شركات أخرى تكاليف إضافية مرتبطة بإدارة مخاطر الحرب والتأمين واللوجستيات.

قادت العملة الأميركية الدولار إلى صدارة الأسواق كأداة ملاذ آمن، حيث سجل مؤشره مستوى قريباً من أعلى مستوى في عشرة أشهر، مدفوعاً بإعادة تسعير توقعات الفائدة وارتفاع الطلب على السيولة. وفي المقابل، بدت تحركات اليوان الصيني إيجابية في سياق أوسع لدوره في إدارة المخاطر والتجارة العابرة للحدود، مع توقعات بزيادة الاعتماد على العملة الصينية في تجارة الطاقة خلال السنوات القليلة المقبلة نتيجة تداعيات الحرب وتقييم الدول غير العربية لمكانة الدولار كعملة رئيسة في النفط.

وشهد قطاع الشحن والتأمين العالميان تقلبات كبيرة، إذ ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب على هيكل السفن بشكل حاد، بينما بقيت تكاليف النقل البحري عالية ومؤثرة على أرباح بعض الشركات، فبالرغم من ارتفاع أجور الناقلات فقد تواجه شركات الشحن تكاليف إضافية جراء الوقود والتأمين والتخزين، بينما استفاد بعض وسطاء المخاطر ومنصات التداول المرتبطة بالتحوط من زيادة نشاط السوق.

انتعشت أيضاً قطاعات التسلّح والذكاء الاصطناعي العسكري، حيث صعدت أسهم شركات الدفاع والتقنيات المرتبطة بها مع ارتفاع الطلب على أنظمة ومخزونات دفاعية وتكنولوجيا استشعار ورادارات ومقاتلات، كما بلغ التمويل الجديد لشركات تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري مستويات عالية، مدفوعاً بتوقعات بتزايد الاستثمار في هذه المجالات نتيجة الحرب وتداعياتها.

وبالنسبة للمنطقة العربية، تُشير توقعات إلى ارتفاع طلبات شراء الأسلحة مع استمرار النزاع، وتظل موازنات الدفاع مرهونة بإقرارها في واشنطن والعواصم الأوروبية والعربية، وهو ما يحافظ على احتمالية استمرار مكاسب الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع لفترة إضافية مع استدامة الحرب.

في جانب الأصول الرقمية، ظهر أداء مختلط حيث ارتفعت عملة بتكوين في نطاقات محدودة ثم عادت لتشهد تقلبات مع انتهاء بعض العقود، لكنها أظهرت أيضاً قدرتها كأداة سريعة التحويل في بيئات مضطربة، مع وجود نشاط ملحوظ في معاملات عبر منصات تشغّلها أموال غير مركزية في بعض الدول المستهدفة من الحرب، ما يعكس استخدام الأصول الرقمية كقناة للتسييل والتحويلات العابرة للحدود، رغم عدم اعتبارها ملاذاً آمناً تقليدياً في هذه المرحلة.

الخاسرون

المصدّرون الخليجيون للنفط والغاز تعرضوا لض Rakات ضربات وهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة، وتوقفت أو خُفضت بشكل شبه كامل صادرات عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز حول العالم وتوقع تكلفة لإعادة الإعمار تتجاوز عدة عشرات مليارات الدولارات. وتبرز إيران كخاسر مباشر لكنها تظل المستفيد الأكبر من تدفقات العوائد عبر المضيق، إذ تستمر صادراتها من الخام بأسعار أقرب إلى مستوى منخفض مقارنة بمعايير برنت، مع تحقيق بعض الإيرادات من المبيعات في عملاء رئيسيين وتحصيل رسوم عبور عبر المضيق بالعملة الصينية في بعض الترتيبات، وهو ما يساهم في تعزيز موقفها على المدى القصير.

شركات التأمين الخليجية واجهت ضغوطاً متزايدة، حيث توقعت مؤسسات التصنيف تباطؤاً في النمو في إيرادات قطاع التأمين في دول مجلس التعاون خلال العام الحالي، خصوصاً في أسواق السعودية والإمارات، مع تفاوت في الأداء في الإمارات والسعودية وبعض الأسواق الخليجية الأخرى وسط ارتفاع المطالبات والتعويضات المرتبطة بالحرب.

هبط الذهب والمعادن النفيسة الأخرى بشكل ملحوظ في الأسابيع الأولى من الحرب بسبب ارتفاع الدولار وهروب بعض المحافظ الاستثمارية، مع تسجيل تراجع في أسعار المعادن صباحاً وبعدها بسبب تقلبات السوق وتغيرات الطلب، رغم أنه في فترات سابقة كان يُنظر إليها كملاذ أمني. كما تسببت اضطرابات التدفقات الاستثمارية في تقلبات كبيرة في أسواق الذهب والفضة والبلاديوم والبلاتين، مع تراجع شهري في بعض الصناعات المرتبطة بتلك المعادن نتيجة زيادة السيولة وتوزيعها على أصول أخرى عالية المخاطر في سياق الحرب.

سلّطت الحرب ضغوطاً كبيرة على الأسواق الناشئة، خاصة تلك المعتمدة على الاستيراد، إذ وجّهت صدمة الدولار والسياسات النقدية التقييدية ضربة إلى أسهمها وسنداتها، وتوقعات بأن تشهد تشديداً إضافياً من تقاليد النقد، ما أثر في مصر وبلدان أخرى بتغيرات كبيرة في أسعار عملاتها وتوقعات صندوق النقد الدولي حول برامجها، في حين تبقى المناطق الاقتصادية والقطاعات المرتبطة بالسياحة والسفر والسلع الفاخرة والكماليات أكثر عرضة لتقلبات الطلب والأسعار بسبب المخاطر الأمنية وتكاليف الوقود واللوجستيات.

بالنسبة للسياحة والسفر، تراجعت الحركة بشكل حاد نتيجة حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب، وارتفعت أسعار تذاكر الطيران بشكل ملحوظ نتيجة زيادة تكاليف الوقود والتأمين، وهو ما أزعج خطوط الطيران ومسافريها على حد سواء، مع توقع أن تبقى أسعار التذاكر مرتفعة لفترة طويلة حتى مع انتهاء النزاع بسبب المسارات الأطول والضغط التشغيلي وارتفاع تكاليف الوقود.

أما السلع الفاخرة والكماليات فقد شهدت انخفاضات ملموسة في أسعار أسهم كبرى شركاتها، مع تراجع ملحوظ في مبيعات المنطقة العربية التي تُعد ساحة هامة للسلع الفاخرة عالميًا، وتوقفت بعض عمليات التسليم للشرق الأوسط بسبب مخاطر الأمن واللوجستيات، وهو ما يبرز أهمية الشرق الأوسط كعنصر في صناعة الرفاهية العالمية رغم أن حصته ما زالت صغيرة نسبيًا من إجمالي المبيعات العالمية.

في الصناعة، خسر القطاع الصناعي نشاطه عبر انخفاض مؤشراته في أوروبا وأميركا وآسيا، مع تراجع بطء في نشاط التصنيع وتباطؤ مؤشر مديري المشتريات في عدة مناطق خارج الخليج نتيجة صدمة الحرب وتأثيرها على التكاليف والتموين والطاقات، إلى جانب قرارات كوريا الجنوبية بتشديد القيود على التوريد في بعض القطاعات لحماية صناعاتها وسط الحرب.

أما الزراعة فواجهت ضغوطاً كبيرة بسبب صدمة الأسمدة والديزل، حيث أشار تقرير الفاو العالمي إلى أن مضيق هرمز يمثل نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية مع توقعات بتراجع إمدادات اليوريا وتزايد الأسعار، ما يعرض سلاسل الإمداد الزراعية لمخاطر كبيرة، وهذا يفتح باباً لمزيد من التحديات في قطاع الزراعة العالمية خلال الأسابيع القادمة.

ختاماً، يبدو المستهلك العالمي أكبر الخاسرين بارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، بينما يظهر الروس كأحد أبرز الفائزين بتخفيف بعض القيود ورفع مبيعات الطاقة إلى دول بحاجة إليها، ما يعزز النفوذ الروسي على المدى القصير ويدفع بعض الدول إلى مراجعة إنفاقها الدفاعي والاقتصادي، وتبقى النتائج النهائية للحرب رهينة استمرار الصراع وتطوراته في الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة