مناورة بحرية مصرية تركية وتداعياتها
تشهد منطقة شرق المتوسط توتراً متصاعداً نتيجة تقاطع تحركات عسكرية مصرية وتركية مع تصعيد إسرائيلي على عدة جبهات.
تتبدّى هذه التطورات في مناورات بحرية غير مسبوقة تشارك فيها مصر وتركيا ضمن تدريب “بحر الصداقة 2025” الذي يستمر حتى السادس والعشرين من الشهر ويضم فرقاطات وزوارق وغواصة ومقاتلات F-16 إلى جانب وحدات بحرية مصرية، وهو ما يمثل نقلة في التعاون العسكري بين البلدين.
يؤكد الخبير سمير راغب أن هذا المستوى من التعاون غير مسبوق خلال نحو ربع قرن وأن العلاقات بين القاهرة وأنقرة اتجهت في السنوات الأخيرة إلى تصفير المشكلات وفتح قنوات تعاون في مجالات متعددة، من التصنيع العسكري المشترك إلى المناورات البرية والبحرية والقوات الخاصة، مع مواجهة تهديدات مباشرة لأمنهما خصوصاً من إسرائيل.
يرى راغب أن التدريبات المشتركة تعكس تنسيقاً سياسياً يتجاوز الجانب العسكري ويمكن أن يرسخ مواقف إقليمية مشتركة في ملف غزة، بما يؤثر في السياسة الإسرائيلية والدعم الدولي لها.
إسرائيل وقبرص والتسليح المتقدم وتداعياته
تأتي التطورات في سياق تقارير عن تسليم إسرائيل إلى قبرص منظومة دفاع جوي متقدمة من طراز باراك MX، قادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة حتى مدى يصل إلى نحو 150 كيلومتراً، وهو ما قد يغيّر ميزان التغطية الجوية في شرق المتوسط ويفتح باباً لتصعيد محتمل مع تركيا.
ردت تركيا على التطورات بتحذير حازم تؤكّد فيه أنها تتابع التطورات عن كثب وتؤكد أنها اتخذت كل الإجراءات لضمان أمن “جمهورية شمال قبرص التركية”، وتُحذر من أن استمرار التسلح القبرصي قد يفضي إلى عواقب خطيرة.
وتسعى تركيا إلى مشاريع دفاعية كبرى مثل مشروع “القبة الفولاذية” المضاد للطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى بناء ملاجئ في محافظات عدة، في خطوة تعكس استشعارها احتمال المواجهة.
إلى جانب المناورات، تواصل مصر تعزيز أمنها القومي من خلال تنويع مصادر السلاح؛ حيث نشرت تقارير عن محادثات مع شركة Saab السويدية لشراء طائرات إنذار مبكر وتحكم محمولة جواً، في إطار رفع قدرة الاستطلاع والاستجابة السريعة في مواجهة مخاطر محتملة، وعلى رأسها مخطط لإعادة توطين فلسطينيين على الحدود المصرية من غزة، وهو تهديد تعتبره القاهرة مباشراً واستراتيجياً.
يؤكد راغب أن الجيش المصري قادر على حماية الأمن القومي المصري والعربي، وأن التعاون العسكري مع تركيا لا يعني الدخول في تحالف دفاع مشترك، بل يعزز تنسيقاً مهماً بين قوتين إقليميتين في مواجهة التهديدات المشتركة.
الدور الأميركي ومآل المبادرة
في سياق ذلك سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تقريب وجهات النظر من خلال دعوة قادة من السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان لاجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث ملف غزة، لكن غياب الرئيس المصري والسعودي أثار علامات استفهام حول جدية المبادرة.
وتباهى ترامب بنهيه سبع حروب منذ عودته إلى الرئاسة، بينما يواجه الأميركيون اتهامات بالانحياز لإسرائيل، وهو ما يجعل أي مبادرة لا تفرض ضغوطاً حقيقية على حكومة نتنياهو غير قادرة على إحداث تهدئة مستدامة في غزة.
يُظهر تحليل راغب أن التقاطع المصري-التركي يضغط إسرائيل سياسياً ويحد من هامشها، فيما يبقى احتمال التهدئة متوقفاً على مدى قدرة الأطراف على إيجاد تسوية، بينما تستمر إسرائيل في تغيير قواعد اللعبة مع ارتفاع التوتر وأثر ذلك على صورتها الدولية، وتواصل الولايات المتحدة رصدها للمسار وسط انتقادات بالانحياز وتوقعات بأن المبادرات الأميركية لم تلقَ بعد الثقة اللازمة في المنطقة.







