رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

ارتفاع الذهب والدولار يترنح.. هل يمثل ذلك مؤشرًا على أزمة ثقة عالمية؟

شارك

قفز الذهب مسجلاً مستوى قياسياً في 2025، فاقت قيمته 5300 دولار للأونصة للمرة الأولى، بفعل ارتفاع الطلب وتراجع الثقة بالدولار وتصاعد الشكوك بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

أسباب صعود الذهب

ليس مجرد أداة استثمارية، بل أصبح لغة خوف جماعية ورسالة صامتة بأن العالم لم يعد يثق بالعملات كما كان.

من متاجر التجزئة الأمريكية التي حدّت من بيع السبائك تحت ضغط الطلب، إلى بنوك مركزية تكدّس آلاف الأطنان بصمت، وصولاً إلى أشخاص يبيعون مجوهراتهم ويبحثون عن الذهب في النفايات الإلكترونية، يبدو الجميع في اتجاه واحد: الهروب من الائتمان إلى المعدن.

قفزات تاريخية وأثرها

قفز الذهب إلى ما فوق 5300 دولار للأونصة، مدفوعاً بتزايد الطلب وتراجع الثقة بالدولار وتصاعد المخاوف من استقلالية السياسة النقدية الأميركية، وهو ما يضعه في صدارة الأصول العالمية في 2025 متفوقاً على الأسهم والعملات الرقمية التي شهدت انهيارات متتالية بينما تتبخر تريليونات الدولارات من الأسواق.

تاريخياً ارتبط الذهب بالأزمات الكبرى: بعد أزمة 2008 تضاعف سعره أكثر من 100%، وخلال جائحة كورونا تجاوز 2000 دولار لأول مرة، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز النمط التقليدي، إذ يرتفع بالتوازي مع أصول عالية المخاطر في سلوك يعكس حالة هلع استثماري لا يبحث فقط عن الربح بل عن أمن المستقبل.

الدولار يحيد والذهب يرتفع

جوهر الصعود لا يكمن في قوة الذهب بل في ضعف الدولار، فقدت العملة الأقوى عالمياً نحو 10% من قيمتها في 2025 في واحد من أسوأ أعوامها منذ نصف قرن، تحت ضغط عجز مالي يتخطى 36 تريليون دولار وسياسات توسعية وتوترات داخلية تؤثر على استقلال السياسة النقدية.

ومع كل انخفاض في قيمة الدولار، يصبح الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين حول العالم، فتتعاظم شهية الطلب وتدخل الأسواق في حلقة صعود ذاتية، لكن الأهم هو تآكل الثقة بالدولار كعملة احتياط عالمية وسط ديون متنامية وتدخلات سياسية تهدد استقلال السياسة النقدية.

البنوك المركزية.. اللاعب الخفي

خلف الكواليس تقف البنوك المركزية كعامل رئيسي وصامت، فقد اشترت خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 3200 طن من الذهب، بمعدل يتجاوز 1000 طن سنوياً، وهو مستوى غير مسبوق منذ عقود.

الأكثر لفتاً أن قيمة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية تجاوزت لأول مرة قيمة سندات الخزانة الأمريكية، وتفوق الذهب على اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي عالمي بعد الدولار. ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، يمثل الذهب نحو 27% من احتياطيات البنوك المركزية مقابل 23% لسندات الخزانة الأمريكية.

عالم مضطرب.. الذهب ملاذ

لا يقتصر صعود الذهب على الولايات المتحدة فالعالم يعيش اضطراباً سياسياً واقتصادياً جعل المعدن الأصفر خياراً منطقياً للتحوط لدى الدول والمؤسسات والأفراد.

لكن خلف هذا الارتفاع يواجه المستهلك العادي خسارة، فارتفاع الذهب لا يعني فقط أسعار سبائك أعلى، بل غالباً ما يسبق موجات تضخم وغلاء معيشة، حيث يُنظر إليه كرسول سوق ينذر بارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القوة الشرائية، بينما يجد الأفراد أنفسهم عاجزين عن اقتناء غرامات قليلة بأسعار تفوق قدراتهم، ما يثير أسئلة حول عدالة السوق واستقرار المجتمعات.

هل نحن أمام فقاعة؟

رغم التفاؤل السائد، يحذر بعض المحللين من أن أي تصحيح حاد أو بيع مفاجئ من كبار المشترين قد يطلق موجات هبوط مؤلمة، كما حدث بعد طفرة 1979، لكن في المقابل تشير توقعات بنوك كبرى مثل غولدمان ساكس إلى أن الذهب لم يبلغ ذروته بعد، مع تقديرات تتراوح بين 4900 و6000 دولار للأونصة خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الظروف الحالية.

ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد حمّى ذهب بل تصويت عالمي صامت ضد النظام المالي القائم، فالذهب لا يرتفع لأنه قوي فقط بل لأن الثقة بالبدائل تنهار، وحتى إشعار آخر يبدو المعدن الأصفر دوره التاريخي: درع الحماية الأخير في عالم مثقل بالديون ومشحون بالمخاطر.

مقالات ذات صلة