رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

الوطن خطّ أحمر، والحكمة ليست ضعفاً

شارك

تُختبر الدول في لحظات التوتر الكبرى، ليس بقدرتها على إطلاق الصواريخ، بل بقدرتها على ضبط البوصلة. وأنا، كمواطن أردني أولًا، أؤكدها بوضوح: لا أؤمن بالحرب طريقًا للحل، ولا أرى في التصعيد نصراً لأحد. لكنني لا أستطيع الصمت حين تمتد ألسنة النار إلى دول الخليج وإلى سماء وطننا، مملكتنا الأردنية الهاشمية.

ما الذي يدفع صُنّاع القرار في إيران لتوسيع دائرة المواجهة؟ وما الحكمة في إدخال دول عربية لم تكن طرفًا مباشرًا في معادلة الرد؟ إن كان الهدف دفاعًا فالدفاع ليس بفتح جبهات جديدة، ولا بتهديد استقرار شعوب اختارت دائمًا الابتعاد عن الاصطفافات الحادة.

لقد تعاطف العرب مع الشعب الإيراني في أوقات الشدة لأننا ننظر إلى الشعوب بعيون الإنسانية لا بعيون السياسة. لكن ما حدث مؤخرًا كان صادمًا. حين تتحول ردود الفعل إلى ضربات تطال الخليج وتضع الأردن في دائرة التوتر، فإن الرسالة التي تصل إلينا ليست رسالة قوة، بل رسالة اندفاع غير محسوب.

الأردن ليس ساحة اختبار، وليس ممرًا في حسابات الآخرين. الأردن وطن له سيادته وكرامته، وطن نحمله في قلوبنا قبل أن نحمله على خرائط الجغرافيا. هذا البلد الذي صمد وسط العواصف، وبنى استقراره بالحكمة والتوازن، هو خط أحمر لن نقبل المساس به، لا تصريحًا ولا فعلًا. سماؤه ليست مباحة، وأرضه ليست ورقة في صراع إقليمي.

كنت أتمنى أن يختار صناع القرار في طهران لغة مختلفة، لغة تحافظ على ما تبقى من جسور مع محيطها العربي. لكن ردود الفعل غير المحسوبة قطعت تلك الجسور في لحظة غضب. الثقة التي تُبنى عبر سنوات يمكن أن تُهدم بقرار واحد، والاحترام الذي يُزَرع بالكلمات يُقتل بالصاروخ.

لسنا أعداء للشعب الإيراني، ولن نكون. لكننا أيضًا لسنا مستعدين لأن نُستدرج إلى معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل. من حقنا أن نحمي أوطاننا، ومن واجبنا أن نرفع الصوت حين نشعر أن أمننا يُهدد تحت أي ذريعة.

القوة الحقيقية ليست في توسيع دائرة النار، بل في القدرة على إطفائها. الشجاعة ليست في الرد السريع، بل في القرار الحكيم الذي يحفظ الأرواح ويصون الجوار. المنطقة اليوم لا تحتمل مزيدًا من التصعيد، وأي خطوة غير مدروسة ستدفع ثمنها الشعوب قبل السياسيين.

أكتب اليوم لا بدافع العداء، بل بدافع الغيرة على وطني. الأردن ليس مجرد حدود، بل هو هوية وذاكرة وكرامة. هو الدعاء في صدور الأمهات، وصبر الجنود على الثغور، وحلم الأطفال بأن يكبروا في أمان. ومن يقترب من أمنه يقترب من قلب كل أردني.

رسالتي واضحة: نرفض الحرب مبدأً، ونرفض المساس بأوطاننا موقفًا. ونقول لأصحاب القرار في إيران إن الجسور التي قطعت يمكن إعادة بنائها، لكن ذلك يبدأ بالاعتراف بأن التصعيد ضد دول الخليج وضد الأردن كان خطأً استراتيجيًا وأخلاقيًا. فإما أن نختار طريق الحكمة، أو نترك المنطقة كلها رهينة لدوامة لا يعرف أحد أين ستنتهي.

مقالات ذات صلة