يضم الأردن رجالاته الذين لم يكونوا مجرد أسماء في سجل الوظيفة العامة، بل محطات حقيقية في مسار بناء الدولة وتطورها، رجال آمنوا بأن المسؤولية ليست لقباً ولا منصباً بل فعل يومي يترك أثراً ملموساً في الناس والمكان.
أستعيد لقاءاتي به في محافظة العقبة حين كان رئيساً لسلطة المنطقة الاقتصادية الخاصة، لم يكن من النوع الذي يختبئ خلف البروتوكول، بل كان قريباً من الجميع يصغي بجدية ويمنح مساحة حقيقية للنقاش حتى مع الآراء النقدية.
هذا النمط عكس قناعة بأن التنمية لا تُفرض من الأعلى فقط، بل تُبنى عندما يشعر الناس أنهم شركاء في القرار.
على الصعيد الإداري مثّل بلتاجي نموذجاً مختلفاً عن الإدارة البيروقراطية التقليدية، وفي رئاسته لسلطة العقبة ووزارة السياحة والآثار وأمانة عمّان الكبرى والمطار، ظهر اهتمامه بالحضور الميداني وفهم التفاصيل قبل اتخاذ أي قرار، ولم يتعامل مع المشاريع كأرقام بل كمساحات حياة تحتاج إلى رؤية واقعية تجمع بين الحداثة والهوية الوطنية.
وقبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً سعى في وزارة السياحة إلى تطوير القطاع مع الحفاظ على خصوصية الأردن الثقافية والدينية ومازلت أذكر متابعته مشاريع التنقيب في موقع المغطس، جمع بين البحث العلمي والخدمة المجتمعية مدركاً أن حماية الإرث الحضاري مسؤولية وطنية.
أما في أمانة عمّان فقد ركز على تحسين جودة الحياة وتعزيز العلاقة بين المدينة وسكانها.
أثره لم يقتصر على المشاريع، بل امتد إلى الأشخاص فكان يشجع المبادرة ويحوّل التحديات إلى فرص جديدة.
والسؤال اليوم: ماذا تعلمنا من هذه التجربة؟ ولماذا يبدو هذا النمط القيادي أقل حضوراً؟ استحضار سيرته ليس حنيناً للماضي، بل دعوة لترسيخ قيادة إدارية في القطاع العام قريبة من الناس، لأن الوفاء للأردن يُقاس بالأثر الحقيقي في خدمة الوطن والناس.
رحمه الله واسكنه فسيح جناته.







