رئيس التحرير: سراب حسان غانم
مدير التحرير: رماح اسماعيل

عاجل | رئيس ‘مكافحة الكسب غير المشروع’ في سوريا يكشف لـ’المجلة’ آليات تفكيك شبكة النظام السابق… واستعادة ‘أموال الشعب’

شارك

نشأة اللجنة وإطارها القانوني

أنشأت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا كمواجهة لتحديات مرحلة ما بعد التحرير، وليست نتاج لحظة سياسية عابرة. وكانت بدايتها في محافظة إدلب تحت اسم اللجنة الاقتصادية، كجزء من هيكل إداري يتولى إدارة ملفات مالية حساسة خلال ظروف استثنائية. وأسهمت في حماية أملاك الغائبين قسراً، وإدارة أصول مصادرة من أعوان النظام السابق، والإشراف على أملاك خرجت عن سيطرة النظام، بهدف توجيه العوائد لصالح الشعب.

توسّعت اللجنة الاقتصادية سريعاً لتشمل كل المحافظات السورية، مع الاعتماد على توجيهات القيادة والخبرة في إدارة الأصول والتحوّط عليها. وواجهت البلاد في ديسمبر 2024 ظرفاً استثنائياً مع دخول قوات التحرير، إذ بدا خطر تهريب الأصول ونقلها وحرمان القطاعات الحيوية من الموارد. لذا أصبحت ضرورة توسيع العمل إلى مستوى مؤسسي وقانوني، مع حماية استمرارية الاتصالات والناقلات النفطية والمصارف. وبعد ثلاثة أشهر من التحرير، توسّعت الأعمال لتشمل أشخاصاً خضعوا لعقوبات خارجية، وكذلك حالات اشتباه كسب غير مشروع تستدعي التحقق المؤسسي. وصدُر القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025 الذي شكل اللجنة تنظيمياً ومنحها غطاء دستوري وقانوني، وعزز تعاونها مع القضاء ومؤسسات الدولة.

تبيّن أن الفكرة ليست مستوردة من الخارج، بل لها جذور وطنية راسخة وتتناغم مع تجارب دولية رصينة. فتاريخ سوريا يشمل قوانين أكدت مساءلة تضخم الثروة غير المبرر منذ 1958 ثم ظهرت لجنة “من أين لك هذا” في 1977 كمرجع. وتعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) مرجعاً عالمياً، خاصة مادتها العشرون التي تدعو الدول إلى اعتماد تدابير للإثراء غير المشروع وربط الزيادة في الأصول بالدخل المشروع. وتبرز أمثلة عملية من هونغ كونغ ICAC وسنغافورة CPIB، إضافة إلى نماذج أوروبية تعزز الشفافية والتصريح بالممتلكات. وغير أن اللجنة لا تنسخ أي نموذج بل تطور إطاراً وطنياً مناسباً للسياق السوري.

المبادئ والمرتكزات والإطار القانوني

تعتمد اللجنة على ثلاثة مرتكزات متكاملة: إرث تشريعي سوري أصيل في مساءلة الإثراء غير المبرر، وخبرة عملية تراكمت وتطورت خلال المرحلة الانتقالية، وانسجام تام مع المعايير الدولية ولا سيما UNCAC.

اعتمدت اللجنة مفهوم التسويات كإجراء علاجي للإثراء غير المشروع، مستمدة من دراسات وتجارب دول خارج النزاع. ويهدف الصفح الاقتصادي المسؤول إلى استرداد جزء كبير من الأموال غير المشروعة وإعادة النشاط الاقتصادي إلى النظام الرسمي، مع وضع دليل رسمي يحكم شروط الإفصاح والتدقيق ونسب الاسترداد والضمانات والشفافية، وتؤكد أن التسويات ليست حصانة جنائية ولا سياسية، بل آلية لضمان استرداد المال العام وتهيئة بيئة اقتصاد وطنية.

تُعالج اللجنة التعثر في التسويات بالانتقال فوراً إلى المسار القانوني الكامل، بما يشمل ضبط إجراءات احترازية واستكمال التحقيق المالي والفني وإحالة الملف إلى القضاء المختص عند وجود شبهة جرمية.

أُجريت تسوية مع طريف الأخرس وفق الإجراءات الرسمية، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس فُرضت عليها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول المشبوهة لضمان المال العام وسلامة التحقيقات، مع كون الإجراءات التحفظية لا تعني حكماً نهائياً.

المسئولية وحدود الصلاحيات والإجراءات

تحدد اللجنة نطاق صلاحياتها وفق القرار الرئاسي وتوسعها ليشمل الشركاء والمتدخلين والمتعاونين إذا توافرت معطيات موضوعية تتعلق بتضخم غير مبرر في الثروة.

المساءلة التي تقودها اللجنة محصورة بالكسب غير المشروع، أي الزيادة الكبيرة وغير المبرّرة في الأموال مقارنة بالدخل المعروف، بينما تبقى القضايا الجرمية الأخرى وحقوق الأفراد ومسارات العدالة الانتقالية حقوقاً قائمة لا تسقط. أعلنت اللجنة عن برنامج الإفصاح الطوعي ومعالجة واستراد الكسب غير المشروع المعروفة بالتسويات المالية لمدة ستة أشهر تنتهي في يونيو 2026، وهو مسار مالي قانوني لا يطوي المسارات القضائية الأخرى.

تنسّق اللجنة مع لجنة السلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والقضاء السوري ومؤسسات الدولة المعنية، إضافة إلى وزارات المالية والعدل والداخلية ومصرف سوريا المركزي، لضمان أن تكون معالجة الكسب غير المشروع جزءاً من مسار وطني شامل يحقق الاستقرار ويوازن بين المساءلة والإصلاح.

التدقيق في الشبكات الاقتصادية للنظام السابق

تفكيك الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق ليس عملاً بسيطاً بل عملية معقدة ومتعددة المراحل. نتعامل مع منظومات مالية تشكلت عبر عقود من خلال شركات واجهة وشركاء صوريين وتوزيع أصول على أفراد الأسرة، وتحويلات مالية متشابكة داخلاً وخارج البلاد. ويزداد التحدي بفعل المحاولات السابقة لإخفاء الملكيات ونقل الأصول إلى أطراف ثالثة خلال فترات التحرير المبكرة.

تبدأ الإجراءات عادة بتحليل المعلومات الأولية من بيانات العقوبات والبلاغات والإفصاح الطوعي، ثم يتم بناء خريطة علاقات مالية واقتصادية لرصد الروابط بين أشخاص وكيانات وأصول، يليها تدقيق مالي وقانوني مقارن للوصول إلى معطيات كافية للاحتراز والحجز ومنع التصرف بالسلب، وصولاً إلى إحالة الملفات إلى القضاء عند توافر الشبهة الجرميّة. وتبقى نتائج التدقيق متوافقة مع اختصاص الجهات القضائية وتوجيهات الدولة، ويُتخذ القرار المناسب بناءً على أدلة موضوعية وخبرة خبراء التحقيق.

يترتب على هذه العملية أن يستفيد السوريون بحماية الاقتصاد الوطني ومنع إعادة إنتاج المنظومة المالية السابقة، إضافة إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد ونمو الاستثمارات من خلال تفكيك النفوذ غير المشروع وإعادة إدماج الأصول في الاقتصاد النظامي.

تقبل اللجنة البلاغات باعتبارها مصدراً معلوماتياً مهماً، لكنها لا تبني إجراءً ما لم يتقاطع مع معطيات استقصائية ومالية دقيقة، وتخضع الاستدعاءات للتحقيق المباشر داخل البلاد أو عبر وكلاء قانونيين خارجها، بما يضمن تحققاً عادلاً.

يؤكد العمل أن مكافحة الكسب غير المشروع جزء من مسار وطني يشمل العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وتلتزم اللجنة بإجراءات قانونية واحترازية تحافظ على المال العام وتضمن التوازن بين المساءلة والإصلاح، مع استمرار التنسيق الوثيق مع مؤسسات الدولة لتحقيق الاستقرار الوطني وإعادة الثقة بالاقتصاد.

مقالات ذات صلة